يعيش
المسلمون الكثير من المواقف والأحداث التي تعلن بوضوح عن تصلب فكر
العلماء وتشبثهم بأي تفسير بلا تفكير! ومن
هذه الأمثلة الصارخة صوم يوم عاشوراء!.
يروج
بعض العلماء أن صيام يوم عاشوراء له ثلاثة مراتب ! ويصنفون ذلك الأمر أن من صام التاسع
والعاشر والحادي عشر في المرتبة الأولي ،ومن صام التاسع والعاشر، أو العاشروالحادي عشر في المرتبة الثانية ثم يختمون ذلك بأن من صام يوم العاشر فقط في
المرتبة الثالثة !.
أعلم أن التصنيف لهذه المراتب يجب أن يكون له
أصل من القرآن الكريم أو السنة النبوية أو من حياة كبار الصحابة ! فما بالنا ونحن
لا نجد أياً من هذه الأشياء التي سبق
ذكرها؟!.
نبدأ
الحكاية من البداية..
يقول الحديث المعروف عن صوم يوم عاشوراء ..
( أنه لما هاجر النبي إلي المدينة - وفي رواية لما قدم النبي إلي المدينة – وجد
اليهود يصومون يوم العاشر من المحرم ، فسألهم عن سبب صيامهم فقالوا : هذا يوم نجا
الله فيه موسي . فقال : نحن أولي بموسي منكم . فصامه وأمر بصيامه ، وقال : لئن عشت
لقابل لأصومن التاسع والعاشر ).
وقف الحديث هنا لتبدأ الكارثة والجمود الفكري
والتصلب وعناد البعض وجهل الآخر!.
يكمل الناس – من تلقاء أنفسهم الحديث في
سابقة غريبة ! – أن الرسول لم يصم التاسع والعاشر كما قرر في الحديث لأنه – بكل
بساطة وسذاجة حسب قولهم ! – مات!.
وهكذا بدأ البعض تصنيف صيام يوم عاشوراء إلي
ثلاثة مراتب !.
فيأتي السؤال المنطقي :
هل
مات النبي في العام الثاني للهجرة؟!.
هل
نسي النبي الأمر فلم يصم أبداً التاسع والعاشر ؟!.
هل
ثبت في صحيح السنة النبوية والسيرة النبوية أن النبي صام التاسع والعاشر أو حتي
العاشر وحده بعد ذلك؟!.
بكل بساطة ويسر أقول:
لم يمت النبي في العام الثاني للهجرة بل مات
في العام الحادي عشر للهجرة بعد أن أدي فريضة الحج في العام العاشر للهجرة ! أي
أنه عاش بعد واقعة حديث صوم عاشوراء حوالي
عشرة أعوام !
فلماذا
لم يصم النبي التاسع والعاشر ؟!
لقد
نص الحديث أنه لما هاجر النبي إلي المدينة وكان ذلك في العام الثالث عشر للبعثة ، ولقد
مات النبي بعد ثلاث وعشرين عاما من البعثة حيث أن النبي استمر يبلغ رسالة ربه علي
مدار ثلاثة وعشرين عاما وقد كلفه ربه في الأربعين من عمره ومات في الثالثة والستين
من عمره .. أي أن النبي عاش في المدينة عشر سنوات ومات في السنة الحادية عشر !.
وهنا وقفة صغيرة ، فعندما يقول الراوي لما
هاجر فهو من المهاجرين وعندما يقول لما قدم فهو من الأنصار ! .
إذن لماذا لم يصم النبي التاسع والعاشر ولم
يثبت ذلك عنه بل لم يثبت أنه لم يصم العاشر بعد ذلكّّ ؟!.
الإجابة بكل وضوح تأتي
لنا في سياق حديث السيدة عائشة – الذي يغفله معظم العلماء ولا أدري السبب؟!- عن
ذلك الأمر:
تقول السيدة عائشة رضي الله عنها ( فلما كان
قابل فرض صيام رمضان ، فلما كان يوم عاشوراء أرسل الرسول مناديا ينادي في المدينة
، من شاء فليصم ومن شار فليفطر- يقصد صوم يوم عاشوراء - )
هكذا
تحسم السيدة عائشة رضي الله عنها هذا الأمر بكل وضوح ورغم ذلك يصر العلماء علي أن
النبي مات ( قابل)! ولا يقف الأمر علي العلماء بل امتد للمعاهد الأزهرية وأنصاف
المتدينين والمتعلمين والمثقفين ! حتي أصبحت وفاة النبي هي المانع الوحيد لعدم
صيامه التاسع والعاشر في العام التالي لفرضه صيام عاشوراء!.
لقد نقض النبي صلي الله عليه وسلم أمره بصيام
عاشوراء نظراً لنزول الأمر الإلهي بصيام شهر رمضان ، وهكذا أصبح صيام عاشوراء سنة
وليس فرضا كما كان ! ولم يثبت بعد ذلك أن النبي صامه بعد فرض صيام رمضان!.
فهل يعود العلماء إلي صحيح الفكر والمنطق
والدين ؟!.
هل يعود العلماء للبحث والدراسة وعدم الركون
إلي المنقول بلا تفكير؟!.
هل يفكر المدرسون فيما يقولونه للطلبة ؟!.
هل يعود أنصاف المتدينين والمثقفين إلي الحق
أم سيعاندون ويصرون علي مخالفة المنطق والحقيقة ؟!.
إن صوم يوم عاشوراء مثال لجمود العلماء وجهل
العامة والدهماء وعناد أنصاف المثقفين والمتعلمين !.
فهل نعود إلي البحث والحق والحقيقة من أجل
حياة أفضل وفهم أفضل للدين ؟!.
إن الحقيقة تستحق منا
الكثير فما بالنا عندما يتعلق الأمر بالدين ؟! علينا إظهار الحقيقة ثم نتصرف كيفما
نشاء! فالصوم والصلاة وكل أعمال الخير لله وحده ، وهي علاقة بين الانسان
وربه، فليفعل كل منا ما يريد ولكن بعد أن
يعلم الحقيقة التي يقبلها العقل – الذي ميزنا به الله - والمنطق الذي نعرف به الله
والحق والحقيقة .