السبت، 31 ديسمبر 2016

كتاب ( الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة )- 7


الحلقة السابعة







- 8 -
من عليه الدور ؟
بسقوط تمثال صدام حسين فى ميدان الفردوس ببغداد على مرأى ومسمع العالم ثم الإعلان عن الاستعداد لإسقاط كل الأصنام و الأوثان فى عواصم العرب .
بالسقوط المدوى لهذا الطاغية أكبر إعلان أن الطغاة عندما يضيق عليهم الخناق يفرون من الموت لأنهم يعشقون الحياة .
بزوال صور العائلة الجمهورية الحاكمة فى العراق ستظهر صور لعائلات فى عواصم أخرى والحاشية تردد نفس الاسطوانة القديمة " أن استمرار أعضاء الحكومة أطول فترة ممكنة يعنى الاستقرار " .
إنه الباطل و الزيف نفسه زينوه للحاكم فمازالت حاشية معاوية تزين ولاية يزيد للعهد مهما كان الأمر، المهم أن تستمر مصلحة الحاشية فوق رؤوس الجميع ورغما عن الجميع وليت معاوية علم أن الأمر لن يدوم أكثر من سنوات قليلة فاحترم رعيته وتعامل معهم بالحكمة ! طغاة باعوا كل شئ فى سبيل مجدهم بدأ من إمام الطغاة إبليس الذى استكبر على ربه مرورا بنمرود العراق وفرعون موسى ويزيد بن معاوية أول طاغية فى الإسلام و الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان فرعون بنى أميه وانتهاء بصدام فمن عليه الدور ؟



الخاتمة
وصلت نهاية الهمسات وفى انتظار همسات الطاغية القادم فالطاغية لا يترك قلما حرا يكتب وحاشية الطاغية يتبادورن فى إظهار خضوعهم وحمايتهم للطاغية حتى يظل الطاغية حاكما ويصبح ابنه من بعده ويصبح أبناء الوزراء أيضا وزراء ويظل الشعب المستبعد مستعبدا.
ولو سأل أى حاكم نفسه سؤالا .
- ماذا كنت قبل أن أصبح حاكما ؟
ولو سأل أعضاء حاشية أى طاغية استمروا مكانهم أكثر من عشرين عاما .
- ماذا كنا قبل أن نكون من الحاشية ؟
أن طول استمرار الحاكم فى الحكم و استمرار نفس الحاشية حوله هى أساس أى طاغية وأى فرعون فلقد ارتبط هامان بفرعون حتى إذا غرق فرعون غرقت حاشيته معه غير مأسوف على الجميع .
اللهم لا تجعلنا قوم سوء فاسقين ..... أمين
" قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "الآية 188 سورة الأعراف .
" فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ "       الآية 44 سورة غافر .
" فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ - يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ - وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ - سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ - لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ - هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ"الآيات47–52سورةإبراهيم .
" يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ - الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ "الآية 16 – 17 سورة غافر
  
و الحمد لله رب العالمين
انتهي الجزء الأول
الأزمة الاقتصادية


الكتاب : الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة
الكاتب : محمد فؤاد أبو بطه
الطبعة : الأولي ابريل 2009
رقم الإيداع : 2009/ 7679

رقم الترقيم الدولي:5-6856-17- 977


الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

كتاب ( الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة )- 6

 الحلقة السادسة

- 7 -
صدام – بداية سقوط طغاة العصر الحديث
مع بداية القرن الماضى تعرضت دولة الخلافة الإسلامية لمؤامرات وطعنات من أعداء الإسلام ومن أبناء الإسلام من عرب وعجم .
وأخذ المفكرون يحملون مشاعل النور لإحياء هذه الأمة وإنقاذ الخلافة من الأنهيار .. فخلافة ضعيفة أفضل من دويلات قوية .
وأعلن المفكر الحر جمال الدين الأفغانى فكرة الجامعة الإسلامية بشعار أمة إسلامية واحدة ذات رسالة خالدة وراح المفكرون والأحرار من هذه الأمة يعلنون ترحيبهم بفكر جمال الدين الأفغانى وسمعت الأمة عن أسماء كالمصابيح فى سماء الدولة الإسلامية أمثال عبد الله النديم ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبى وغيرهم .
وكانت الدول الأجنبية بقيادة بريطانيا وفرنسا تسعى لإسقاط دولة الخلافة العثمانية وتحقق لهم فى النهاية ما أرادوا بالتعاون الوثيق مع بعض الحكام العرب أمثال الشريف حسين أمير مكة الذى باع دولة الخلافة ليظل أميرا وليصبح أولاده أمراءً من بعده حتى لو باع دينه ليشترى دنياه – ولكنه فى النهاية خسر دنياه فلقد طرده الملك عبد العزيز آل سعود من مكة – ليعلن نفسه ملكا على نجد والحجاز معا ثم يؤسس المملكة العربية السعودية أما أبناء الشريف حسين فلقد اقتطع الحلفاء دولة سموها الأردن ونصبوا عليها أحد أبنائه ملكا ثم نصبوا الابن الثانى ملكا على العراق فى واحدة من عجائب الأقدار فالشريف حسين ثار على دولة الخلافة العثمانية معللا أنهم يحكمون وليسوا أبناء البلاد العربية وأطلق الحلفاء ألفاظا براقة مثل كل غزو فى كل زمان ومكان . ، فقد أعلن الحلفاء أنهم جاءوا إلى مصر والجزيرة والشام ليحرروا البلدان العربية من حكم العثمانيين الأتراك وكعادة المتطلعين إلى السلطة صدقوا تلك الوعود البراقة ! وهل يحارب العرب البريطانيين والفرنسيين وهم يحررونهم ؟!
لا بالطبع بل علينا أن نخلع راية دولة الخلافة الإسلامية لأنها عثمانية تركية وأن نثبت مكانها راية الإمبراطورية البريطانية والفرنسية .
وسقطت الخلافة الإسلامية لأول مرة فى التاريخ وسقط معها حلم جامعة الدول الإسلامية وانتهز الشباب المتطلع إلى نقل النموذج الأوربى فى الحكم والسياسة وأخذوا يشكلون أحزابا واتحادات وتحمس شاب عربى لفكرة بديلة عن جامعة الدول الإسلامية وأنشأ حزبا عربيا سماه حزب البعث العربى الاشتراكى وكانت تلك الأفكار القومية تنبت فى صفوف الشباب العربى فى الشام حتى كان حزب البعث ومؤسسة ميشيل عفلق وانبهر به أهل الشام والعراق – فأصبح لحزب البعث فرعين متعادين حزب البعث فى سوريا وشقيقه الخصم فى العراق .
وتمخض عن سقوط الخلافة الإسلامية نكبة مروعة انتهت بإعلان دولة إسرائيل اليهودية فى فلسطين بفضل الحلفاء المحررين بريطانيا وفرنسا واستيقظ العرب عام 1948 على تلك الكارثة التى لم تحدث فى أدنى درجات الضعف فى دولة الخلافة الإسلامية العثمانية وللمرة الثانية تخون أسرة الشريف حسين الأمة من أجل الاستمرار فى الحكم ولمن يأتى بعدهم من أبنائهم ويبيعون فلسطين لليهود ويروجون عكس ذلك ! وبنهاية حرب 1948 وما حدث فيها من مؤامرات وخيانة تشكلت فى مصر خلية من الضباط أطلقوا على أنفسهم الضباط الأحرار حتى تمكنوا من الاستيلاء على السلطة عام 1952 ورأسهم فى ذلك الوقت اللواء محمد نجيب الذى قبل عرض الضباط الأحرار برئاسة هذه المجموعة ليكون وجه الانقلاب فى ذلك الوقت وهنا لابد أن يذكر التاريخ لهذا اللواء الجسور أنه قبل هذا العرض وبقبوله يعنى الإعدام فى حالة الفشل ولقد رفض لواء آخر هذا العرض مؤثرا السلامة والاستسلام ثم استقر الأمر عام 1954 لجمال عبد الناصر أى بعد حوالى عامين وشهور قليلة من حكم محمد نجيب 
وبوصول عبد الناصر إلى قمة السلطة تغير وجه الحياة فى مصر والعالم العربى بل فى أفريقيا والعالم .
كان العالم العربى يعيش مرحلة الطفولة عندما سمع جمال عبد الناصر يخطب خطبا نارية فى وجه الاحتلال البريطانى خاصة و الاحتلال الأجنبى عامة وكعادة الأطفال عندما ينبهرون بالساحر الذى يخرج خيوط القطن من فمه والكتكوت من أكمامه انبهر العالم العربى بشخصية القائد الشاب ابن الأربعين ربيعا وهو يعلن تأميم قناة السويس عام 1956 وأصبح طموح الشباب العربى أن يكون جمال عبد الناصر الثانى .. أو يكون ناصر بلده ..
واتفق الشعب العربى فى هذا الوقت على حب اثنين جمال عبد الناصر صاحب الشعبية الطاغية وصوت أم كلثوم فى الخميس الأول من كل شهر ميلادى وتحققت وحدة الشعب العربى أمام هذين الشخصين واتحدت مصر وسوريا ثم انفصلتا وأصبحت القاهرة عاصمة الأحرار والثوار فى العالم العربى وإفريقيا .
لجأ إليها ثوار المغرب العربى كما لجأ إليها ثوار المشرق العربى ، من هؤلاء كان صدام حسين التكريتى العراقى وانبهر صدام حسين بشخصية جمال عبد الناصر وتقمصها حتى إذا عاد إلى العراق وأعلنوا الثورة قاد حزب البعث العراق وضمن قياداته صدام حسين وفى ليبيا قاد معمر القذافى الثورة وترأس ليبيا وهو فى العشرينيات من عمره أما صدام فكان لزاما عليه أن ينتظر حتى عام 1979 ليصبح رئيسا للعراق ليصبح ثانى رئيس بعثى فى المنطقة بعد حافظ أسد فى سوريا .
وفى العراق أمسك صدام حسين زمام السلطة بيد من حديد وأبرم السادات اتفاقية كامب ديفيد للصلح مع إسرائيل فاجتمع حكام العرب فى بغداد وشكلوا جبهة الرفض للصلح مع إسرائيل وقاطعوا مصر وكأنها إسرائيل وترأس صدام حسين القمة وأعلنوا نقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس العاصمة وبمباركة جميع الحكام العرب! ومر عام والاقتصاد العراقى من اقتصاديات المنطقة القوية لوجود احتياطى كبير من البترول بأراضى العراق وجمعت العراق فى هذه اللحظة كل ما تريد الزعامة العربية فى غياب مصر السادات والحضارة العريقة وشعب له تاريخ .. وتذكر صدام حسين شعبية جمال عبد الناصر وإعلامه الرهيب وتماثيله وصوره فبالغ فى تقمص الشخصية وبقسوة وطغيان 
وتذكر أن عبد الناصر أرسل قوات جيشه إلى اليمن وإفريقيا والجزائر وتونس والى العراق نفسه فقرر أن يخوض حربا سهلة من وجهة نظره ضد الجار صاحب الثورة الجديدة – إيران الخمينى– وانطلقت شرارة الحرب وسط مباركة أوربية أمريكية خليجية فدول الخليج بلا استثناء يخشون أن تصدر إيران ثورتها إليها فتحدث الانقلابات ضد أولئك الشيوخ والملوك والسلاطين فقرروا مؤازرة العراق وبلا حدود حتى أطلقوا على صدام حسين فارس العرب وحامى الشرق من الخطر الفارسى.
وشجعته الولايات المتحدة الأمريكية لأن الثورة الإسلامية تعنى الدخول فى حرب مع الكيان الغربى من اجل القضية الفلسطينية وتحرير القدس .
ويذكر التاريخ أن الوحيد الذى حذر صدام حسين من إعلان الحرب على إيران هو الرئيس السادات الذى لحق بالرفيق الأعلى ، وزادت قبضة صدام على العراق حتى أصبح الشارع العراقى يشعر بالخوف عندما يرى أى رسم جدارى عليه صورة صدام وانتشرت تماثيله فى جميع الميادين وترأس كل شيء وأركان حكمه يساعدونه بلا تردد حتى صوروا له أنه لولا صدام ما كانت العراق بل وزادوا أنه لولا صدام ما كان العرب  ووصلوا لمرحلة تقترب من التأليه حتى أنهم لا ينشرون له صورة وهو يصلى حتى فى المسجد الحرام حتى لا يبدو له فى أى صورة أنه ينحنى حتى لو كان الانحناء لله !!
وكان أمير البحرين الراحل رجلا قصيرا وكلما زار العراق يضطر صدام هذا الضخم للانحناء وهو يقبل الضيف ، ولا يتم نقل هذه اللقطة فى أى من وسائل الإعلام المقروء أو المرئى .
واحتفظ صدام بحاشيته التى صورت له أنه إذا غير أعضاء حاشيته سيكون دليلا على عدم الاستقرار ولن يضمن الولاء ولكى تضمن حاشيته البقاء بدءوا يلمحون إلى أهمية ابنه الأكبر عدى ويمدحون ابنه الثانى قصى فترأس الأول اللجنة الاوليمبية وترأس الآخر جهازا خاصا وأعاد التاريخ قصة معاوية مع يزيد والحاشية التى تجمل الزيف وتصور الباطل على أنه حقيقة .
وتحت وهم الاستقرار ظلت حاشية صدام كما هى فى أضيق نطاق من التغيير لموت أحد أعضاء الحاشية أو انتهاء جدوى وجوده .
وتذكر صدام حسين سطوة التنظيم الطليعى فى عهد جمال عبد الناصر وكيف كان الابن ينقل أخبار بيتهم وقد يعتقل الأب أو الشقيق !!
وأصبح حزب البعث بمثابة الرعب للشعب العراقى وكانت أجهزة الاستخبارات تعمل لتأمين شيء واحد هو صدام حسين لم يكن هناك أمن دولة ولكن أمن صدام هكذا الطغاة يظنون أنفسهم فى مرتبة الآلهة ويتصور الطاغية أنه لو اختفى من الصورة لانهارت الأمة بأكملها .
وتشكل مجلس التعاون العربى بين مصر والعراق والأردن واليمن وازدادت الزيارات المتبادلة .
فعاد رؤساء المجالس النيابية من العراق منبهرين وأعلنوا مبايعة شعوبهم لحكامهم!!
كان الأمر جد عجيب فالحاشية والتى يطلقون عليها النخبة الحاكمة فى تزويق لتلك الكلمة القاسية "الحاشية" أخذوا ينقلون كل شيء يرونه فى عراق صدام وكيف أن عدى صدام حسين رئيسا للجنة الاوليمبية العراقية ورئيس احد النوادى الرياضية ورئيس أحد الصحف اليومية !! كانت هذه الأشياء هى التى تعجب الحاشية التى تضم أكثر من هامان ..
واستيقظ العالم عامة والعرب خاصة على احتلال صدام حسين لدولة الكويت فى سابقة خطيرة لقد تخطى صدام مرحلة عبد الناصر !! .
واتفق العالم على ضرورة انسحاب القوات العراقية من الكويت وجيشت دول العالم الجيوش.
وبدأ الطاغية يوجه خطاباته النارية للشعب العربى من المحيط للخليج ومعه خطابات لا تقل نارية من معمر القذاقى .. وتذكر الاثنان خطابات عبد الناصر النارية ونسيا أن خطاباته كانت ضد الاستعمار والاحتلال الاجنبى ولكن هنا الوضع مختلف ولكن لا شيء يهم فلقد تخطيا مرحلة عبد الناصر!! .
ويتذكر العرب خطابا لعبد الناصر عندما أعلنت موانئ الولايات المتحدة الأمريكية عدم شحن أو تفريغ البواخر والسفن المصرية عندها خرج عبد الناصر ليتحدث إلى الشعب العربى من المحيط إلى الخليج ووجه حديثه إلى العمال العرب فى الموانئ العربية بلا استثناء أن يتوقفوا عن شحن أو تفريغ السفن والبواخر الأمريكية !وانتفضت الموانئ العربية لتعلن وقف التعامل تلبية لنداء جمال عبد الناصر ! إنه الجنون بشخصية عبد الناصر الثائر ضد الاستعمار فى كل مكان .
ولكن الأمر هنا مختلف فالعراق دولة معتدية وليست دولة معتدى عليها فماذا ستفعل خطب نارية لصدام أو القذافى ؟!!
وانتهت الحرب بهزيمة العراق وتحرير الكويت وفرض حظر جوى عسكرى واقتصادى على العراق وصدام وحزبه وأركان حكمه ما زالوا بلا تغيير فى الأشخاص أو الأسلوب بل ازدادت قبضته الحديدية على الشعب فولديه محط أنظار الشعب فى الصحف والتليفزيون وكأنهما من أبناء الآلهة ويتقدمون على الوزراء والقادة !!
هكذا دائما الطغاة وحاشيتهم ولابد أن تضم الحاشية أكثر من هامان وقارون وحاشية الطاغية تقول بكل وقاحة وبجاحة .
-         نبايعك رئيسا مدى الحياة !!
ثم أخذت الحاشية ترشح الابن الأكبر ليخلف أباه بلا خجل ولما الخجل ؟ هل يخجلون من الشعب وهم يرون أن عامة الشعب خدماً لهم وعبيد بل يرونهم أوباشا لا يستحقون الحياة !!
وأصبح من المألوف أن يطالع الشعب صورة الابن على صفحات الجرائد وهو يتحدث فى المؤتمرات وكبار أساتذة الجامعات والمفكرين يستمعون له كأنه يتلو وحيا من السماء بل أصبح يأمر ويطلب ويستفسر ويعتبر نفسه وليا للعهد بلا خجل ولما الخجل وقيادات الجيش تعلن الولاء سنويا!!  
وتمر الأيام وصورة العائلة الجمهورية الملكية هى رمز الدولة والسلطة وكبار رجالات الحاشية هم بلا تغيير وتزداد الأمور تعقيدا مع الأمم المتحدة  حتى ياتى العام 2003 .
و تجهز الولايات المتحدة وبريطانيا الجيوش وتعبر قناة السويس فى طريقها للخليج متخذة من دولتى الكويت و قطر وجميع دول الخليج بلا استثناء قواعد عسكرية لاستخدامها فى حال ضرب العراق .
و تجتمع الدول العربية وينفض الاجتماع بدون ادنى موقف ومن أين سياتى الموقف ودول الخليج بلا استثناء علانية  أو سرا مع الولايات المتحدة.
والدول البعيدة عن المواجهة تذيع الخطب النارية وهى التى تمد القوات الأمريكية العابرة من قناة السويس بالوقود فى موانيها !! أصبح العرب يخشون الموت وكأنهم سيخلدون إذا لم يحاربوا الغزاة .
قد يختلف الحكام مع الحكام و لكن الشعوب دائما متواصلة . وفى عصر السماوات المفتوحة أصبح العالم بيتا صغيرا أو شقة صغيرة وتواصلت شعوب العالم فى مظاهرات عارمة من أمريكا إلى أوروبا و اليابان . وانتفض الشارع العربى ولكن قوى الأمن الداخلى اعتقلت وضربت وأهانت وخرج الحكام يبررون تبريرات واهية . وتذكر العالم الاسلامى سيف الدين قطز عندما اجتاح التتار العالم الاسلامى واجتاحوا بغداد فى صفر 656 هجرية.
وقطز ليس مصريا ومن السهل عليه أن يستسلم طبقا لحسابات العقل والمنطق و الأمن القومى ولكن قطز المملوك ليس مملوكا عاديا بل هو سليل بيت خوارزم شاه فى آسيا الوسطى قتل التتار والده وخاله وجده واستعاد قطز ارداته الحرة الأبية وبجواره الشيخ العز بن عبد السلام يشد من أزره دون رهبة أو خوف وأعلن قطز الوقوف فى وجه التتار والشيخ العز بن عبد السلام يدعو للجهاد فى الأزهر الشريف وفى جميع المساجد وحث الناس على الإنفاق لتجهيز الجيش فالنصر من عند الله وحده .
فأما أن نؤمن بالله ورسوله وقرآنه أو لا نؤمن ، فالقضية لا تحتاج كلمة الظروف والأمن القومى ولكن الموقف تغلب عليه أسلوب الشريف حسين.
وبدأ العدوان فى 20 مارس  2003 والعالم كله يتوقع أنهياراً سريعا لنظام الحكم فى العراق حتى أن العالم تصور أن مرور أسبوع بأكمله سيكون من ضروب المستحيل !! ولكن بلدة صغيرة تسمى أم القصر وقفت أمام العدوان صامدة على مدار عشرة أيام كاملة لتبهر العالم بالمقاومة وينفعل الشعب المسلم فى كل مكان من أجل أخوانه فى العراق وليس من أجل نظام صدام ولم تتحرك الدول  أو تسمح لشعوبها بالجهاد لإعلاء كلمة الله ولصد العدوان عن دولة إسلامية بل حتى أن وسائل الإعلام العربية كانت تصف العدوان بالحرب على العراق ودول الخليج تسميها حرب تحرير العراق. 
نفس قصة الحلفاء فى القرن الماضى عندما ساعدهم العرب فى إسقاط دولة الخلافة الإسلامية وخان الشريف حسين دينه و خسر ملكه فى الحجاز على يد عبد العزيز آل سعود، نفس قصة التحرير والحرية والديمقراطية وكما استيقظ العرب على نكبة فلسطين عام 1948 وإعلان دولة إسرائيل استيقظ العرب على نكبة العراق الأربعاء 9 / 4 / 2003 وسقوط بغداد فى أيدى القوات الأمريكية الغازية .
وسقط النظام العربى بالكامل فما زال هناك الشريف حسين يتسول رضاء الحلفاء الجدد ليستمر رئيسا لدولته ولضمان الحكم لأبنائه من بعده فلم يعد الشعب يهم الحاكم من قريب أو بعيد .
و بسقوط صدام حسين لم ينتهى الحدث بل بدأ الحدث فهناك أكثر من حاشية مثل حاشية صدام بل و أكثر طغيانا وظلما .

 إلي اللقاء في الحلقة السابعة

الكتاب : الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة
الكاتب : محمد فؤاد أبو بطه
الطبعة : الأولي ابريل 2009
رقم الإيداع : 2009/ 7679
رقم الترقيم الدولي:5- 6856- 17- 977













الثلاثاء، 27 ديسمبر 2016

كتاب ( الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة )- 5

 الحلقة الخامسة

- 6-
الوليد بن يزيد عبد الملك بن مروان بن الحكم
فرعون بنى أمية
دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على أم سلمه فوجد عندها صبيا فسألها عن اسمه قالت الوليد فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا تسموا أبنائكم بأسماء فراعين هذه الأمة ) وأخذت الكلمة تتردد وتتناقل من جيل إلى جيل حتى وصل كرسى الحكم إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم  .
خشى الوليد هذا أن يكون فرعونا فكلما حدث أمر خطير استدعى العلماء وسألهم أن كان هو المقصود بالفرعون ولكنهم كانوا يطمئنونه أنه ليس هو .ألهذه الدرجة كان يخشى هذا الرجل أن يكون فرعوناً ؟
وعندما رحل الوليد بن عبد الملك وانتهى حكم أبناء عبد الملك – بدأ الحكم يؤول إلى أحفاد عبد الملك بن مروان – وكان الوليد بن يزيد هو ذلك الحفيد الذى أراد أن يكون فرعونا طاغية .
كان يحمل لقب أمير المؤمنين ويتخذ خليله يذهب إليها باستمرار !! كان يحمل لقب أمير المؤمنين والخمر لا تفارق شفتيه !! كان فاسقا وفاجرا وأراد أن يستمتع بهذا الطغيان وحاشيته معه تؤيده وتشجعه وتزين كل شيء يفعله ويهللون له حتى إذا تمكن الطغيان منه وأخذته نشوة الفرعون قال كلمة يعبر فيها عن رغبته فى الخروج للحج وبالطبع يكون أميرا للحج فهو أمير المؤمنين تملك العجب من أفراد حاشيته هل تاب الوليد ؟ ولم يتركهم الطاغية الفرعون يحتارون كثيرا فقال :
-         أريد أن أشرب الخمر فوق ظهر الكعبة ، هكذا نطق الطاغية كفرا .
ترددت الكلمة فى أنحاء دمشق .. حتى وصلت مسامع شباب المسلمين الحر .. فاجتمع منهم خمسة واتفقوا على أن الوليد بكلمته تلك أهدر دمه وأصبح من حقهم قتله وأسروا إلى قائد الشرطة رغبتهم فى قتل الوليد وطلبوا منه أن يشترك معهم فى ذلك الشرف .
وتردد قائد الشرطة وتعلل بأنه قائد شرطته ولا يعقل أن يخونه .. أنها وجهات نظر !! ولكن وجهة نظر قائد الشرطة غير منطقية فالرجل أهدر دمه بنفسه فلم يكتف باتخاذه خليله بل شرب الخمر علانية وطغى واستكبر ثم نطق بالكفر نفسه .
ولكنهم طلبوا من قائد الشرطة أن يكتم عنهم وواصل قائد الشرطة تفانيه فطلب من الطاغية ألا يخرج فى الحج وعندما استفسر منه الطاغية عن السبب لم يخبره فأمر بحبسه وتعذيبه .
هكذا الطغاة لا يعرفون ولاءً ولا وفاءاً ولكنهم يعرفون مصلحتهم ثم مصلحتهم وإذا بقى شيء فهو لحاشيتهم  وأخيرا مات قائد الشرطة من التعذيب القاسى ولكنه حافظ بشرف على أسماء الخمسة الأحرار الذين اختاروا بيت الخليلة ليكون مسرحا لتنفيذ حكم الطاغية على نفسه بالموت مهدرا دمه وعندما خرج وخليلته بصحبته تودعه قفزوا عليه من فوق السطح وانهالوا عليه طعنا حتى قتلوه وأشاروا إلى خليلته ألا تقلق وسحبوه والقوا بجسده فى عرض الشارع لتكون نهايته وعبره لمن بعده من الطغاة ولكن ما هى إلا سنوات قليلة حتى هبت رياح التغيير وقامت الدولة العباسية لتطيح بالدولة الأموية بعد بضع وسبعين سنة هى كل عمر الدولة الأموية لينتهى حلم معاوية على يد العباسيين أحفاد العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه .
 إلي اللقاء في الحلقة السادسة

الكتاب : الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة
الكاتب : محمد فؤاد أبو بطه
الطبعة : الأولي ابريل 2009
رقم الإيداع : 2009/ 7679
رقم الترقيم الدولي:5- 6856- 17- 977

الاثنين، 26 ديسمبر 2016

كتاب ( الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة )- 4


 الحلقة الرابعة
- 5 -
( يزيد بن معاوية)
أول طاغية فى الإسلام
أنار الإسلام مشارق الأرض ومغاربها عندما بعث الله محمدا نبيا ورسولا بكتابة المعجز القرآن الكريم وتربى الجيل الأول من الصحابة على يدى الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا عمالقة فى الحق وقادوا البشرية فى أحلك اللحظات ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .
وتوالى الخلفاء وانتهى الأمر بعد على بن أبى طالب كرم الله وجهه إلى معاوية بن أبى سفيان احد دهاة العرب فأقام معاوية ملك بنى أميه على أمل أن يستمر الحكم لابنه يزيد من بعده ثم لحفيده معاوية بن يزيد بن معاوية وهكذا ليصبح حكم المسلمين فى بنى أميه يتوارثونه جيلا بعد جيل.
وصارع معاوية كثيرا حتى يصل إلى الحكم وعندما أصبح أميرا للمؤمنين بدأ يعد العدة ليجهز مسرح الأحداث ليقبل ابنه وليا للعهد بمساعدة حاشيته ورجالات حكمه وأخذ يوجهه ويعطيه خلاصة تجاربه ليكون خليفة له وسط مباركة حاشيته التى ستستمر فى السلطة باستمرار يزيد وهكذا أبناء رجال الحاشية هم حاشية المستقبل إذا لقد توحدت المصلحة بين الحاكم وحاشيته وأصبح هم معاوية أن يأخذ البيعة لابنه وهو حى وبين حاشيته فإذا مات فجأة فلقد جهز كل شيء ولم يجد معاوية اى معارضة من حاشيته لاختيار يزيد وليا للعهد بل وجد تأييدا وترحيبا وكأنه لو لم يختاره وليا للعهد ستنهار الدولة الإسلامية وأراد معاوية أن يستطلع رأى أهل المدينة المنورة وبالتحديد آراء الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهم جميعا .
وحاول عن طريق أمير المدينة أن يأخذ منهم البيعة فلم يستطع الأمير أن يجبر أيا منهم فقرر معاوية أن يذهب بنفسه إلى المدينة المنورة ليأخذ البيعة لابنه ليرث الحكم من بعده .
هكذا الحكام يرون أبناءهم أفضل من الآخرين وها هو معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه وسط حاشيته التى مكنته من حكم الدولة الإسلامية وهم يزينون له تلك البيعة .. وهم يفاضلون بين ابنه يزيد وأولئك الأربعة .. أما الأول عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما.، فأفراد الحاشية يهونون من شأن عبد الرحمن إمام شأن يزيد ، وهم يرددون أن يزيد ابن بيوت العز والكرم .. تربى بين أحضان معاوية الداهية الذى استطاع أن يتربع على عرش الخلافة من بين فكى الأسد على بن أبى طالب رضى الله عنه .
كان عبد الرحمن كان أمهر العرب رميا وكان صاحب عزة نفس وكرامة ولم لا وهو من هو ؟ وأبوه غنى عن التعريف !! .
أنه أبو بكر رضى الله عنه أول خليفة فى الدولة الإسلامية وصاحب النبى الكريم أنه يسمو فوق الكلمات مهما بلغت بلاغتها ورغم ذلك فالحاشية المضللة تقول أن يزيد أفضل من عبد الرحمن . وعندما نظروا إلى الثانى عبد الله بن عمر رضى الله عنهما لم تستطع الحاشية الفاسدة إلا أن تقول أن عمر رضى الله عنه اختار ستة لاختيار خليفة من بعده ليس بينهم ابنه عبد الله أنه الضلال المزوق فى صورة الحق المزعوم برأى حاشية معاوية وكأنهم رأوا فى إبعاد عمر لابنه عن الصراع على الخلافة طعنا فى كفاءته ولكن معاوية لم ينس أن الناس أبدوا رغبتهم فى اختيار عبد الله بن عمر للخلافة عندما احتدم الصراع بين على ومعاوية .
ولكنه يحب أن يسمع مدحهم لابنه إمام عينيه وهكذا أبعدوا عبد الله رضى الله عنه بمنطق غريب .. أنه ابن عمر ولكنه ليس عمر !!
أما الثالث عبد الله بن الزبير رضى الله عنه صاحب الذكرى الخالدة فى نفوس المسلمين فهو أول ولد يولد للمسلمين بالمدينة ليخرس السنة يهود المدينة .. أبوه الزبير بن العوام رضى الله عنه ابن عمة النبى صلى الله عليه وسلم وحوارى الرسول .
أمة أسماء ذات النطاقين صاحبة البصمة الظاهرة فى هجرة الرسول إلى المدينة المنورة . أسماء هذه رمز الشموخ والإباء والإيمان جده أبو بكر الصديق رضى الله عنه .
شارك فى كثير من الفتوحات الإسلامية ولكنه أين سيذهب إذا وضع فى كفة الميزان إمام يزيد بن معاوية ؟؟
إنه ظلم الحاشية وظلم الحاكم الذى يريد أن يسمع من الحاشية ما تطيب له نفسه ويزيد يزداد غرورا ولم لا ؟ وأركان الدولة يبايعونه وليا للعهد أنهم يرون باقى المسلمين ودولة الخلافة بالرعاع والأوباش !! هل ينتظرون حتى تختار الأمة أميرا غير يزيد ؟
لا يمكن أن يقبلوا هذا الأمر ومعاوية يخشى أن تزول دولته وسلطانه إذا ترك الأمر شورى !!
وبقى الحسين بن على رضى الله عنهما ماذا ستفعل الحاشية ؟ ماذا سيقولون ؟ أنه الحسين بن على ..
لو وضعوا الحسين فى كفة وشباب بنى أميه فى كفه لرجحت كفه الحسين
واحتارت الحاشية فلقد استبعدوا الثلاثة السابقين بمنطق ضعيف وحجج واهية ولكنهم كذبوا على معاوية وعلى أنفسهم ، استبعدوا الثلاثة السابقين رغم أن أولهم ابن الخليفة الأول وثانيهم ابن الخليفة الثانى وأول أمير للمؤمنين وثالثهم ابن حوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفيد الخليفة الأول ، أما الحسين فهو سيد شباب أهل الجنة سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن فاطمة الزهراء وعلى بن أبى طالب ترتعد الحروف والكلمات إذا كتبت أن يزيد أفضل من الحسين ولكن مصلحة الحاشية فوق مصلحة الأمة جميعاً !!
أنهم يرون معاوية ولا يرون الله ومعاوية يواصل هذا الظلم وسط تأييد مطلق من الحاشية التى بدأت تتعامل مع يزيد أنه الخليفة القادم ووجد الفرصة .
إنه سيد شباب أهل الجنة وليس سيد شباب أهل الدنيا ؟!
ولقد اختارت الحاشية الدنيا ولم يشك معاوية لحظة واحدة أنه يختار الأفضل لأنه لو تسرب الشك إليه لاختار الحسين بن على رضى الله عنهما فهو أفضل من يزيد وكذلك كان الحسن بن على رضى الله عنه أفضل من يزيد ولقد تخلصوا من الحسن فى الخطوة الأولى فلما لا يتخلصون من الحسين ؟!
وقرر معاوية أن يذهب بنفسه للمدينة لينتزع البيعة من هؤلاء الأربعة عنوة وحيلة وطار الخبر إلى المدينة المنورة أن معاوية قادم لأخذ البيعة لابنه يزيد وليا للعهد من بعده .
هنا وقف عبد الرحمن بن أبى بكر فى المدينة وأعلن أنه لن يبايع يزيد وسيخرج من المدينة إلى مكة .
عجبا لقد هاجر أبو بكر مع الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فى سبيل الحق وفى سبيل إقامة الدولة الإسلامية فى دار الهجرة بعد أن أذاقتهم دار البعثة مكة المكرمة من كل ألوان العذاب والقهر على يد طغاة قريش أمثال أبو جهل وأبو سفيان وأمية بن خلف وغيرهم وها هو الابن يقرر العودة إلى مكة لكى لا يبايع بيعة قهر وإذلال وحتى لا يجبره معاوية على البيعة ولم يكتف عبد الرحمن بذلك بل قال بصوت عال سمعه الناس إذا أراد أحد أن يتبعنى ليجبرنى على البيعة فسوف أرميه فأنكم تعلمون أنى أرمى العرب .
وغادر عبد الرحمن المدينة وبقى الثلاثة حتى حضر معاوية وحاول معهم باللين فلم يستطع فقال مهددا ومتوعدا أنه سيصعد المنبر ، أى منبر هذا ؟ إنه منبر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم جد الحسين وقف عليه أبوبكر والد عبد الرحمن ووقف عليه عمر والد عبد الله ولكنه سيقف على المنبر ليعلن على الملأ أن هؤلاء النفر قد بايعوا يزيدا وليا للعهد وجعل خلف كل واحد من الثلاثة رجلا يحمل سيفا فإذاهم أحدهم بالاعتراض أمر بقطع رقبته هكذا كانت بيعة الظلم والطغيان .
الحاكم فوق المنبر والرعية فى المسجد بينهم ثلاثة من أعلام الدولة الإسلامية مهددين بالقتل إذاهم أحدهم بالاعتراض ، فكانت بيعة الطاغية يزيد بن معاوية . الذى حكم بهذا الأسلوب .. فهل من يصعد لكرسى الحكم بهذه الطريقة من الممكن أن يكون عادلا ؟؟
وتولى يزيد الحكم بعد رحيل معاوية .. وأخذ يعربد وسط حاشيته الظالمة التى جعلت من نفسها طبقة فوق الناس فما أن ينطق إنسان بكلمة حتى ينبرى احدهم لتفنيدها ، باستهتار واستهزاء وكأن الآخرين نكرة .. وكأن الحاشية فوق الناس والرعية ! ولكن هل يرضى الحسين بذلك ؟ ذهب ليزيد فى دمشق ووجدها يزيد فرصة ليهزأ بالحسين رضى الله عنه ولم يكتف بذلك بل تطاول على السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله وعلى أبيه على بن أبى طالب والحاشية تضحك والحسين كالجبل الأشم .. وترك يزيد يقول ما يشاء حتى انطلق المؤذن يعلن آذان الظهر .. حين وصل المؤذن إلى أشهد أن محمدا رسول الله . نطق الحسين بسؤال واحد .
-         جد من هذا يا يزيد ؟!
انتفض الطاغية مكانه وطلب من حاشيته أن يغادر الحسين المجلس بل ودمشق كلها ولا يريد أن يراه ثانية .
بدأ الحسين يعلن عدم رضاه وأرسل له أهل العراق ليبايعونه ويخلعون يزيد بن معاوية وخرج الحسين رضى الله عنه ..
علم يزيد فأرسل إلى طاغيته فى العراق ابن زياد ليعد العدة للقضاء على الحسين بن على وآله ، و هكذا صور الطغاة أنفسهم آلهة العدل والحرية وصوروا الحسين متمردا معارضا حاقدا على الحاكم العادل وجهزوا الجيوش ودفعوا الحسين ورجاله القلائل فى طريق اللا عودة حتى استقر الحال به فى كربلاء .
وبدأت المعركة غير المتكافئة بين الحق والباطل .. بين الثائر الحر والحاكم الطاغية وحاشيته التى صورت له أن قتل الحسين سيريحه .
ونبه الحسين جيش يزيد وذكرهم أنه الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن السلطة والمال والرضا الموعود من الحاكم فوق كل اعتبار .وانتهت المعركة بمقتل الحسين بن على .
من القاتل هنا ؟ هل هو يزيد ؟ أم طاغية العراق ابن زياد ؟ أم قائد الجيش عمرو بن سعد بن أبى وقاص؟ أم ابن ذى الجوشن الذى قطع رقبته؟
أراهم كلهم يحملون صفة القاتل .. بدءا من الحاكم الذى سلط أركان حكمه وجيشه مرورا بطاغية العراق ابن زياد وانتهاءً بابن ذى الجوشن فلقد قتلوا الحسين وسبوا نساء آل البيت وفيهم السيدة الجليلة زينب بنت على التى سماها الله بهذا الاسم .
هكذا حكم يزيد على نفسه أن يكون أول طاغية فى الدولة الإسلامية .. ولكن هل تغيرت النهاية ؟
لا .. لم تتغير .. أنها سنة الله فى الأرض ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا .لم يطل العمر بيزيد بل لم يحكم سوى ثلاث سنوات ثم أصيب بما يشبه الجنون ومات إما ابن زياد فلقد جن هو الآخر فخرج تائها فى الصحراء حتى أكلته الذئاب أما ابن ذى الجوشن فقد أصيب بالاستسقاء حتى انفجرت بطنه ومات ألا لعنة الله على الظالمين .
ولم ينته الأمر عند هذا الحد .. فلقد آل الأمر فى نهاية سريعة إلى مروان بن الحكم لينتقل الأمر من فرع أبى سفيان إلى فرع مروان بن الحكم .
لو كان يعلم معاوية أن النهاية ستكون خلال سنوات قليلة من رحيله أظنه ما فعل ذلك ولكنها الدنيا والحاشية الظالمة . 
 إلي اللقاء في الحلقة الخامسة


الكتاب : الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة
الكاتب : محمد فؤاد أبو بطه
الطبعة : الأولي ابريل 2009
رقم الإيداع : 2009/ 7679
رقم الترقيم الدولي:5- 6856- 17- 977
إلي اللقاء في الحلقة الخامسة




الأحد، 25 ديسمبر 2016

كتاب ( الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة )- 3








 الحلقة الثالثة
- 4 -
فرعون موسى
كعادة الطغاة الأزلية لابد من وجود الحاشية التى تتفانى وتتبارى لإظهار الولاء والتبعية للطاغية ومدحه بصفة مستمرة ولا يمكن أن تقول الحقيقة أبدا لأن الحقيقة والحقيقة وحدها رصاصة الرحمة للطاغية .. فلا يجب أن تطلق حتى تستمر الحاشية فى مكانتها الرفيعة وسط المجتمع لذلك ترمى برصاصة الحقيقة فى أعمق بئر من آبار النفاق البشرى .
تزين الحاشية الشر على أنه خير وتزين الزيف على أنه حقيقة وتفعل أقصى ما تستطيع للإبقاء على الطاغية وأسرته لأن فى بقائه استمرارهم فى السلطة وفى الاستفادة القصوى ودائما تتميز الحاشية بوجود جميع النماذج غير السوية من البشر ويظن الطاغية أنه على حق دائما ولم لا والحاشية المحيطة به تقول آمين .
وهامان صورة مجسدة ورمز ابدى لحاشية فرعون الفاسدة المفسدة . أنعم الله على فرعون بالصحة والعافية فأخذه الغرور أنه فوق البشر أنه اعلى من البشر ، هكذا همست نفسه إليه وهمست الحاشية أيضا.
فعندما يعلن له موسى عليه السلام أنه رسول رب العالمين يطلب منه فرعون الدليل وعندما يقيم له البرهان تنطق الحاشية أنه ساحر !؟
وكأن الحاشية تسارع لتقطع على فرعون خط التفكير والتدبر خشية أن يؤمن بصدق كلام موسى فيضيع فرعون – من وجهة نظرهم – ويصبح تابعا لموسى وتضيع كل طموحات وأحلام الحاشية فهامان يريد أن يرثه أقاربه فى المنصب الخطير – وهكذا كل الحاشية – أذن من مصلحتهم أن يستمر الأمر على حاله وأن يستمر فرعون فى حكمه لا أن يؤمن بموسى ويتبعه لابد أن يستمر الفرعون فرعونا ويستمر هامان والحاشية ليستمر الأمر لأبنائهم من بعدهم .
يقول تعالى : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) الآية 103 سورة الأعراف
(قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الآية 106 سورة الأعراف
(قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) الآية 109 سورة الأعراف
وأشارت الحاشية على فرعون أن يجمع السحرة من كل أنحاء مصر ليغلبوا موسى عليه السلام ولكن الحقيقة الواضحة قهرت زيف السحرة فكانوا أول من اتبع موسى فتوعدهم فرعون بالقضاء عليهم ولكنهم ثبتوا على موقفهم ، فالموت حق على كل الخلائق طال العمر أو قصر فلماذا الخوف من فرعون وحاشيته ؟ هكذا فكر السحرة – سيموتون حتما – فلا فرق إن ماتوا على يد فرعون أم ماتوا على فراشهم !! إنه الدرس الأبدى من السحرة لكل صاحب رأى حر ألا يرهبه الحاكم مهما بلغ من طغيان ولا ترهبه الحاشية مهما بلغت من سلطان فها هو الحاكم الآلة – كما يدعى – يتوعدهم بالقتل وها هى الحاشية تنفخ فى نار الحقد عليهم والسخط المطلق ولم تكتف الحاشية بقتل فرعون للسحرة ولكنهم أرادوا أن يطفئوا نور الحقيقة لتبقى ظلمة فرعون ليتصرفوا كما يشاءون فاستفسروا فى إيحاء بالفعل لفرعون بقتل قوم موسى واستحياء نسائهم حتى لم يشيروا عليه بالسجن وكفى ..  ولكنه القتل ليضمنوا ألا ينافسهم أحد فى السلطة والثروة .
(وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) الآية 127سورة الأعراف
هكذا الطغاة يستكبرون ويظنون أنهم على الحق ولولا الحاشية ما أصبح طاغية فلقد استكبر فرعون وحاشيته .
(ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ - إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ - فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) الآيات 45-47 سورة المؤمنون
إنه الغرور البشرى هل يعقل من الحاشية أن تجعل الحاكم يستمع ويفكر فى كلام احد رعيته ، بالطبع لا يمكن !! أنها الحياة أو الموت بالنسبة لهم فلابد أن يصنعوا حاجزا وهميا بين الفرعون ورعيته .. هل ينسى هذا الإنسان نفسه ؟ إنه من عامة الناس ليس من طبقة الصفوة أو النخبة الحاكمة كما يطلقون على أنفسهم إنه أقل منهم فهما للأمور وللحياة .
ولكن موسى عليه السلام بدأ يحاور فرعون أمام حاشيته كما فعل إبراهيم عليه السلام مع النمرود.
فيقول تعالى مخاطباً موسى وهارون عليهما السلام  (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) الآية 16 سورة الشعراء.
(قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) الآية 23 سورة الشعراء
(قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ) الآية 24 سورة الشعراء ، تعجب فرعون ونظر إلى حاشيته يستعين بهم لتأييده .
(قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ)  الآية 25 سورة الشعراء
(قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) الآية 26 سورة الشعراء
لم يصدق فرعون ما يقوله موسى وقد تربى فى قصره منذ طفولته !! .
(قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) الآية 27 سورة الشعراء ، ولم يكتف فرعون بذلك بل توعد موسى (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) الآية 29 سورة الشعراء .
وسأل الطاغية حاشيته :
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ - وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أنهمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ) الآية 38- 39 سورة القصص
أنه طغيان الحاكم والحاشية فى كل عصر (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ) الآية 39 سورة العنكبوت .
واستخف الطاغية بقومه ولم لا وقد زينت له الحاشية الظالمة كل ما يفعله ويقوله فإذا نطق بكلمة قالوا أنها الحكمة والنظر البعيد أليس بإله ؟ وإذا اتخذ موقفا فى أمر معين قالوا ليس هناك أفضل من ذلك .... بل ويزيدون إنه الحكمة المطلقة ، وإذا قرب شخصا إليه مدحوا اختياره ومدحوا المختار هنا يصل الطاغية إلى قمة طغيان ويبقى الانتقام الالهى منه ومن حاشيته .
(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ أنهمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ - فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ - فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) الآيات 54-56 سورة الزخرف.
    إلي اللقاء في الحلقة الرابعة

الكتاب : الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة
الكاتب : محمد فؤاد أبو بطه
الطبعة : الأولي ابريل 2009
رقم الإيداع : 2009/ 7679
رقم الترقيم الدولي:5- 6856- 17- 977


السبت، 24 ديسمبر 2016

كتاب ( الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة )-2


 ( الحلقة الثانية )

- 3 -
نمرود العراق
عندما يستتب الحكم للحاكم ويطول به العمر تتسرب إلى نفسه همسات إمام الطغاة ثم يبدأ يرددها بينه وبين نفسه حتى يظن بل ويؤمن أنه فوق البشر ويرى الحق كل الحق فيما يقول ولا يقبل أن يقف أمامه اى إنسان مهما كان قدره ومهما كانت كفاءته !! يحكم عليه بالإعدام وكأنه يعطيه هدية نفيسة .
وينمو فى نفسه إحساس بالعظمة الطاغية حتى يظن أنه يستحق أن يمشى على رؤوس البشر من أهل مملكته ومن جهل رعيته أو ربما من خوفهم منه ومن حاشيته أمكنوه من تحقيق هذا الإحساس .
فارتفعت همساته شيئا فشيئا فقال عن نفسه (أنا ربكم )
ووسط التخاذل والتهاون والذل آمن رعيته بأكذوبته حتى وقف أمامه نبى الله إبراهيم عليه السلام وأمام الحاشية – لا يرهب شيئا إلا الله – ليجادله فى هذا الإدعاء الكاذب .
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ) قالها إبراهيم عليه السلام وهو يؤمن كامل الإيمان أنه يقصد الحياة من العدم والموت الأكيد ولكن الطاغية يأبى أن يهزمه إنسان فيحتال على المنطق وهو بين حاشيته وهم يهللون ويصفقون على كل كلمة يقولها ولو كانت كذبا ادعاءا باطلا ويأمر بإحضار اثنين من رعيته حكم عليهما بالموت فيعفو عن أحدهما ويأمر بموت الثانى .. وينظر إلى إبراهيم عليه السلام وسط تهليل الحاشية المضللة وهم يشيدون بحكمته وقدرته وألوهيته .
لم يستسلم إبراهيم عليه السلام وفاجأه قائلا ( قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ )
صمت الطاغية وصمتت الحاشية وانتظر إبراهيم عليه السلام الإجابة العملية على طلبه ولكن ما العمل ؟ الطاغية ينظر إلى الحاشية المنتظرة لأوامره ولكنه لم ينطق ] فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[الآية 258سورة البقرة
تمنت الحاشية لو قطعت رأس إبراهيم عليه السلام ولكنهم لم يفعلوا وغادر إبراهيم عليه السلام المكان ..
واستمر الطاغية بتشجيع حاشيته وكأنه حقا إله لا يخطئ أبدا بل هو على صواب دائما هو الذى يفكر ويأمر ويوجه .
وسلط عليه الإله الأعظم بعوضه رغم صغر البعوضة وضآلتها على الطاغية فوصلت إلى مخه فلم يكن يستريح إلا عندما يضرب بالحذاء فوق رأسه .
انقلب الحال .. الطاغية الذى يسير فوق رؤوس رعاياه أصبح يطلب بنفسه أن يضربه خدمه بالحذاء فوق رأسه ليستريح من ألم البعوضة إذا تحركت داخل رأسه . تلك البعوض الضئيلة (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أنه الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ ) الآية 26سورة البقرة
ولكن الله سلطها لتكون أحد جنده رغم أن الناس لا يمكن أن تستخدم البعوض فى اى مثل لضآلتها ورغم ذلك فالله الخالق العظيم لا يستحى أن يضرب مثلا بأى شيء من خلقه فهو الخالق القادر المقتدر 
 إلي اللقاء في الحلقة الثالثة


الكتاب : الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة
الكاتب : محمد فؤاد أبو بطه
الطبعة : الأولي ابريل 2009
رقم الإيداع : 2009/ 7679
رقم الترقيم الدولي:5- 6856- 17- 977


كتاب ( الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة ) -1







إهـــداء

إلى روح الرئيس اللواء محمد نجيب
والى أرواح شهداء الحرية
فى كل مكان
  
تقديم
يرتبط الاقتصاد بالسياسة ارتباطاً وثيقاً حتى ليظن المرء أنهما قرينين أو قل توأمين ، فإذا اشتدت قبضه الحاكم ملكا كان أم رئيسا على الحكم وزادت درجة الاستبداد ازدادت الأمور سوءا وماتت روح الابتكار و الإبداع لدى المبدعين فتتخلف الدول وتتراجع اقتصادياتها تراجعا كبيراً ...
فالعلاقة بين السياسة و الاقتصاد علاقة طردية حميمة ...
فإذا زادت مساحة الحرية تتقدم الدول اقتصاديا وتقنيا أما إذا تقلصت تلك المساحة تتخلف الدول عن ركب الحضارة بقرون ، دائما تتحطم وتتخلف دول الطغاة بعكس الدول التى تتمتع بقدر وافر من الحرية والتى نسميها بالدول الديمقراطية فهى تخطو للأمام بخطوات واسعة
لذا فقد قسمت هذا الكتاب قسمين :
الأول : للازمة السياسية التى تنتج من طغيان الحاكم واستبداده .
الثانى : للازمة الاقتصادية الطاحنة التى تعصف بدول العالم عصفا.

الجزء الأول

الأزمة السياسية
( الاستبداد السياسى ) 

  
مقدمة

نعيش هذه الأيام حالة من تضارب المشاعر والأحاسيس بين الدول العربية والإسلامية ، وبين شعب الدولة الواحدة وبين أهل البيت الواحد ولن أتجاوز الحقيقة إذا قلت بين الإنسان ونفسه .
وأخذت أتأمل لهذه الحالة التى نعيشها لأول مرة فى الحياة بهذه الصورة نظرا للتقدم التقنى فى عالم الاتصالات والفضائيات فالضغط على ذر يأتى لك بالإعلام الغربى وأخرى تأتى لك بالإعلام العربى وثالثة تقفز بك إلى داخل الحدث نفسه .
ترى ما السبب فيما يحدث لنا ؟!هل الشعوب ؟ هل الحكام ؟ أم الشعوب والحكام معا ؟ وبدأت اكتب عن أولئك الذين دمروا شعوبهم وأهلكوا ثروات بلدانهم .. وحاولت أن أكون أكثر تحديدا فآثرت أن انظر إلى العالم الاسلامى انتهاءً بالعالم العربى فما شأنى بطاغية روسى مثل ستالين أو أوروبى مثل شاوشيسكو هذا أو ذاك لا يعنينى من قريب أو بعيد .
  

- 1-
إمام الطغاة
يقول تعالى فى كتابه الكريم (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ )(سورة الإسراء الآية 71 )
هكذا يكون الأمام عنوان أمته .. وعندما خلق الله السموات والأرض خلق آدم خليفة له فى الأرض "(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)  الآية 29 ،30 سورة البقرة .
هكذا يخبرنا الله فى محكم تنزيله ، وتثور ثائرة إبليس عندما يأمرهم الله بالسجود لآدم .
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) الآية 34سورة البقرة
(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) الآية 12 سورة الأعراف.
(قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) الآية 14سورة الأعراف
هكذا كان إبليس إمام الطغاة – ظن نفسه أنه فوق الأوامر الإلهية ظن نفسه الأحق بالسجود من آدم .. هكذا كان بحق إمام الطغاة وتشبث بالحياة – أى حياة – وطلب أن يؤخره الله إلى يوم البعث .. هكذا الطغاة يعشقون الحياة مهما كانت النهاية .
( فمن أوتى كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ومن كان فى هذه اعمى فهو فى الآخرة اعمى وأضل سبيلا ..)

2- قوم الطغاة
من عجيب الأقدار أن تكون صفة قوم الطغيان إلا القليل منهم فكيف تكون الحياة وفيها قوم طغاة وليس طاغية وحيد ؟!
يقول تعالى : (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ- فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) الآية 15 ،16 سورة فصلت ، فقوم عاد صنعوا حضارة عظيمة حتى أنهم انشأوا مدينة أرم التى لم يخلق مثلها فى البلاد من مبان ومصانع .
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ - إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) الآيات 6-8 سورة الفجر.
كان طغيأنهم لما وصلوا إليه من حضارة وتقدم فى عصرهم وفى كل العصور وكانوا قوة وحيدة لا تقوى اى قوة أن تقف فى وجههم حتى نبى الله هود عليه السلام .
وأخذهم غرور القوة وأخذتهم حضارتهم العظيمة التى يتباهون بها على العالم واستكبروا بغير الحق وأطلقوا شعار التحدى .
من اشد منا قوة ؟
(وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) الآية 59 سورة هود هكذا لم يكن فيهم جبار واحد بل جبابرة طغاة .. نظروا إلى الكون وأطلقوا تساؤلهم (من أشد منا قوة)
كان الكون الفسيح أمامهم الأرض والسماء والبشر ولم ينطق أى شيء !! ولكن عندما صمت الكون أمام جبابرة الأرض ماذا حدث ؟
نطق جبار السماء والأرض ، عندما صمت البشر أمام جبابرة البشر وطغاته ؟!
نطق رب البشر الجبار القهار (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) الآية 15 سورة فصلت
وعندما نطق رب البشر المتكبر المنتقم وأخبرهم أنه اشد منهم قوة وذكرهم قبلها أنه هو الخالق العظيم أرسل عليهم ريحا صرصرا وفقط ولم يزلزل الأرض – وهو القادر-من تحت أرجلهم ولم يفجر الأرض بالمياه أو يفتح أبواب السماء بالمطر مثلما فعل مع قوم نوح ولكن الريح وفقط ليذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ويدخر لهم العذاب الأخرى يوم القيامة .
 إلي اللقاء في الحلقة الثانية
الكتاب : الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة
الكاتب : محمد فؤاد أبو بطه
الطبعة : الأولي ابريل 2009
رقم الإيداع : 2009/ 7679
رقم الترقيم الدولي:5- 6856- 17- 977