( الحلقة الخامسة )
* عودة إلى الأم :
عاد محمد إلى أمه فى مكة وهى تبتسم كلما رأته
يسير أمامها ونسيت هموم ذكرى رحيل زوجها الشاب ، أنساها محمد وكذلك جده عبد
المطلب الذى مات أبوه هاشم وهو صغير أيضا لأم غريبة ليست من قريش أيضاً .
حضرت حليمة خصيصاً لتأخذ محمداً مرة ثانية لأنها
اعتادت على وجوده فى بيتها وكذلك زوجها وأولادها! ولم تذكر مكة أن حليمة فعلت ذلك
مع طفل آخر ولم تغادر مكة إلا وهو معها بعد إلحاح منها على آمنة وسرعان ما استدعته
الأم التى اشتاقت إليه ولم تعد تطيق فراقه فعاد مرة ثانية إلى مكة .
* اليتم الثانى :
ولد محمد يتيماً فلا غرابة في ذلك ! فهذا الأمر
يحدث لكثير من الأطفال ، أخذته أمه ومعها
جاريتها أم أيمن لتزور أهلها ولتمر به على قبر أبيه ، فى رحلته تلك ماتت الأم ولم
يجد أمامه غير أم أيمن فنظر إليها قائلاً : أنت أمى ..
احتضنته أم أيمن وهى تبكى وكيف لا ؟! لقد فقد الطفل
الصغير أبويه فعادت به إلى مكة حزيناً مكسور الفؤاد ، طفل وحيد بلا أب أو أم أو أخ
أو أخت ، أعرضت عنه المراضع وهو رضيع لأنه يتيم الأب فمن يقبله الآن ؟!.
* كفالة الجد :
استقبل الجد حفيده بالأحضان وهو يبكى ، كأنه
يرى فيه نفسه عندما كان صغيراً ، ولكن الجد ذهب مع أمه لتربيه بين أخواله! وتذكر
الجد كيف أن عمه المطلب بن عبد مناف ذهب إلى زوجة أخيه وطلب منها ابن هاشم ليحيا
معهم فى مكة بلد أبيه، وجاء به المطلب وقد أردفه خلفه وما أن دخل مكة حتى قال أهلها
أن المطلب اشترى عبداً فسموه عبد المطلب وهو يعنفهم قائلاً : أنه ابن أخى هاشم ! ولكن
التاريخ خلد هذا المطلب لمروءته وصلته
لرحمه فظل اسم شيبه مجهولاً وعرف بعبد المطلب ! تذكر الجد ذلك فبكى وهو يضم حفيده
اليتيم إلى صدره ويعلن كفالته له كأنه ابناً له وليس حفيداً ! ويحفر هذا الموقف له
مكاناً فى نفس الحفيد حتى أنه فى وقت الشدة يصيح فى الناس أنا ابن عبد المطلب ..
قالها يوم حنين عندما انهزم المسلمون أول الأمر فى صوت واضح .
هكذا خلد التاريخ العم المطلب ثم خلد عبد
المطلب ليظل هذا الإسم يتردد ما بقى الزمان .
عرفت مكة مكانة محمد بأنه الحفيد المفضل لسيدها
الكبير فأصبح علماً رغم صغر سنه .
كان
قريباً من سن عمه العباس وفى سن عمه الحمزة الذى ولد فى نفس عام مولده وأرضعتهما
ثويبة جارية أبى لهب فأصبح الثلاثة أقرب أبناء عبد المطلب ولكن محمداً انفرد عنهما
بانشغال عبد المطلب به دونهما !.
شعر
محمد أن الدنيا عوضته بجده عن أبويه فلم يكن يفارقه إلا وقت النوم فإذا استيقظ
قبله ذهب وجلس مكانه عند الكعبة حتى يحضر فيضمه إلى صدره ضمة حب وحنان .
مرض
الجد بعد أن تقدم به العمر، وكان أكثر الناس حزناً لمرضه حفيده محمد، وأخذت بنات
عبد المطلب ينعينه وهو على فراش المرض بناءً على طلبه! ومحمد يتأمل الوجوه ويفكر
فى الغد القريب ، سيفارق جده الدنيا حتماً ليلحق بأبيه وأمه، و كلما اشتد مرض الجد
اشتد حزن الحفيد ! وجاءت النهاية لتكون فجيعة محمد ويتمه الثالث !.
* أبوطالب يعيد
صياغة التاريخ الجميل :
وسط هذا الحزن المتتالى فى أقل من عشر سنوات
يتقدم أبوطالب فى ثبات ليكرر ما فعله عمه المطلب مع أبيه عبد المطلب ويمد يده لينقذ
ابن أخيه من الحزن الشديد ويطلب من زوجته فاطمة بنت أسد أن تسهر على تربيته وأن
ترعى شئونه، نعم الزوجة كانت فاطمة تلك ! فقد تفوقت على نفسها فى رعاية محمد حتى إنه
ظل يحمل لها هذه الرعاية فى نفسه وصلى عليها يوم أن ماتت ودعى لها ونام في قبرها
قبل دفنها وهو يقول إنها كانت تطعمه قبل أبنائها! إنها العظمة!عظمة العم وعظمة
زوجة العم والوفاء الكامل من الانسان الكامل .
* مرحلة الصبا :
فى مرحلة الصبا يحلو للانسان أن يجرى وراء أماكن
اللهو والتسلية وهو أمر منطقى لأنها مرحلة اللا تكليف! وطبيعة المجتمع المكى تشرع
ذلك بل وتشجع عليه! ولكن الصبى كان يرعى الغنم وفى رعاية الغنم تعلم الصبر
والاحتمال، فنمت لديه روح الرعاية والحماية لمن يرعاه ولو كانت غنماً! وعندما
يرتاح راعى الأغنام يستلقى على ظهره فيجد نفسه ناظراً للسماء المرفوعة بلا عمد
واذا اضطجع متكئاً رأى الصحراء أمامه بلا نهاية والجبال مختلفة القمم والألوان .
واذا هبط الظلام يسعى ليؤمن غنمه من ذئاب الجبل
، وفى الليل تضىء النجوم السماء ويبدد القمر ظلام الأرض والنفس ليأخذ الانسان فى
رحلة يتابع فيها النجوم والضياء .
لقد أثر عليه يتمه فى سلوكه كما ألزمه ملازمتة لجده
ثم عمه أن يسمو فوق أقرانه من الصبيان فبدت ملامح شخصيته الهادئة ترتسم على وجهه
وسمو نفسه فى أعماقه .
( إلي اللقاء في الحلقة السادسة )
الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977
طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
1430هـ - 2009
