(22)
بعد مرور نحو
أسبوعين ذهبت جيهان إلي مكتبه وأخبرته أنه مدعو اليوم للتقدم لخطبتها رسميا! فنهض
من مكتبه وهويكاد يطير من الفرحة و يخبرها أنه سيدعوها اليوم علي الغداء في مكان
خاص جداً فاعتذرت في رقة قائلة :
- سأعود إلي البيت
سريعا لأجهز نفسي لأكون في انتظار خطيبي!
خرجت جيهان من المكتب
وهي تلوح له بأصابعها في دلال وترسل له قبلة علي الهواء، فعاش في عالم من الأحلام
، قطعت زينب عليه أحلامه وهي تخبره أن مكتب رئيس المجموعة أخبرها أن رئيس المجموعة
في انتظاره الآن! نهض فورا متجها إلي رئيس المجموعة الذي نهض ورحب به وبدأ
يسأله عن العمل والمستجدات معربا له عن
ثقته به وبخططه الممتازة التي حافظت علي
حصة مجموعة بالسوق رغم الظروف التي تمر بها! فطمأنه أن نتيجة الربع الثالث
ستكون أكثر إيجابية فابتسم رئيس المجموعة وهو يسأله إن كان تقدم لخطبة جيهان أم
لا؟ فنظر إليه في دهشة وهو يخبره أنه سيذهب اليوم ليخطبها رسميا! فأخبره رئيس
المجموعة أن والدها اتصل به ليسأله عنه وعن أخلاقه وعلاقاته بزملائه وزميلاته!
ففهم أنه سيتقدم لخطبة جيهان ولكنه أراد أن يتأكد فابستم عادل وهو يسأله الدعاء له
بالتوفيق!.
أيقن عادل أنه علي بعد أمتار قليلة من تحقيق
حلمه بالزواج من جيهان فازدادت ضربات قلبه سرعة وابتهاجا، وعاد إلي مكتبه ليجد
زينب تنتظره لتخبره أن هناك من اتصل بها وأخبرها أن هناك عرضا سيتم ارساله بالفاكس
لعادل محفوظ وعليه دراسته بتروي وهدوء! فسألها عن اسم الشخص فأخبرته أنه قال إن كل
شيء سيكون موضحا بالعرض! فأعاد عليها سؤاله عن طبيعة العرض؟ فأخبرته أنه اكتفي
بقوله أن العرض سيصله خلال دقائق ولم يصل بعد!.
جلس في مكتبه وباله
مشغول بذهابه إلي أسرة جيهان في المساء وأخذ يرتب أفكاره وحديثه وموضوعاته و
يستعجل الوقت ليمر ليكون هناك لتحقيق حلمه الكبير!
دخلت عليه زينب لتعطي له الفاكس فتأمله وسألها
إن كانت قرأته؟ فأخبرته أنها قرأت العنوان و لم تتطرق إلي التفاصيل لأنها تخصه هو
شخصيا ! ثم نظرت إليه قائلة في رجاء:
- أرجوك يا عادل بك لو
ذهبت إلي أي مكان أن تأخذني لأعمل معك في مكتبك!
نظر إليها وهو يتعجب لطلبها ويخبرها أنها تتقاضي
مرتبا مجزيا هنا ولا تعرف كيف ستكون المرتبات في أي مكان؟ولكنها ألحت عليه وهي
تخبره أنها تشعر بالأمان وهي تعمل معه والفروق المادية بسيطة بين تلك الأماكن
وتستحق التضحية من أجل العمل معه! فوعدها بذلك رغم أنه لم يفكر أبدا في ترك
المجموعة!.
تأمل العرض في تعجب ودهشة وهو يسأل نفسه لماذا
هذا العرض الآن؟ لماذا لم يأت قبل شهر مثلا؟أو قبل أسبوع أو بعد أسبوع؟! لماذا
الآن؟ كان عرضا للعمل بإحدي المجموعات الكبري بأحد المناصب القيادية العليا بمرتب
مغر ومميزات خيالية! وأخذ يفكر هل كان رئيس المجموعة علي علم بهذا العرض قبل أن
يذهب إليه من أي أحد ؟ فهو يعلم أن هذه المجموعات مثل القرية الصغيرة! الكل يعرف
عن الكل كل شيء وأي شيء ! ولذلك فهو لا يستبعد أن يكون رئيس المجموعة علي علم بهذا
العرض حتي قبل أن يأتي إليه !.
أراد عادل أن يعلم من الذي يتولي متابعة هذا
العرض! فاتصل بالرقم الخاص المرسل بالعرض فاذا به رئيس المجموعة المرسلة للعرض!
رحب به عادل وهو يخبره أنه استلم العرض ولكنه اليوم فقاطعه الطرف الآخر وهو يرجوه
ألا يستعجل في الرد وأمامه أسبوع ليفكر ثم يرد عليه! ولكن عادل سأله أي منصب قيادي
وهو الآن رئيس قطاعات البيع والتسويق وعضو مجلس ادارة ؟ فأجابه الطرف الآخر إجابة
موجزة جدا بقوله العضو المنتدب للمجموعة! كانت تلك الإجابة كافية لتوقف عادل عن
الكلام برهة ليعود فيخبره أنه سيرد عليه
بمشيئة الله فرحب به الطرف الآخر وأخبره أنه سيكون في انتظاره بمكتبه قبل نهاية
الأسبوع ، انتهت المكالمة ليدخل عادل في حيرة شديدة إضافة إلي تفكيره في زيارته لأسرة جيهان لخطبتها الليلة!.
أخذ عادل يجهز نفسه وينظر أي بدله سيرتديها
الليلة؟ وبدأ ينظر إلي المرآة وإلي عقارب ساعته وقد حان وقت نزوله للذهاب إلي أسرة
جيهان ليخطبها رسميا ، نزل السلم وقد اقترب زواجه من جيهان ليغادر هذا السكن للأبد
لينتقل إلي فيللته ليعيش مع حبيبة عمره ! استقل سيارته وهو يستعجل الطريق حتي وقف
أمام البوابة فخرج إليه البواب فأخبره عن اسمه فرحب به وفتح له سريعا فدخل ليري
عددا كبيرا من السيارات مختلفة الألوان والطرازات ففهم أن كل أخوتها بالداخل ، وما
أن نزل من سيارته حتي رأي شخصا في انتظاره يقدم له نفسه أنه المستشار هشام شقيق
جيهان فقدم عادل نفسه فرحب به واصطحبه للداخل فنهض الجميع وهشام يتولي تقديم أسرته
فبدأ بأبيه سعادة السفير السابق ثم أخيه كاظم السفير الحالي ثم كامل عميد بالجيش
وأخيرا قدّم له شقيقه عارف عقيد شرطة! ولم ينس أمه فائقة هانم وأختهم الكبري دكتورة
صافيناز أستاذة الجامعة! رحبوا به جميعا ثم جلس عادل في في مكان يتيح للجميع أن
يراه بوضوح! ونزلت العروس فصافحته ثم جلست بينهم كالبدر في السماء.
بدأ الأب الحديث
مرحبا به فبادر عادل قائلا أنه جاء الليلة ليطلب يد الآنسة جيهان وله الشرف كل
الشرف في ذلك! فسأله سعادة السفير إن كان يمكنه أن يحدثهم عن أسرته ؟! فقال عادل
في بساطة وتلقائية شديدة :
-
أنا
من أسرة عادية جدا! أبي يملك قطعة صغيرة من الأرض وأمي سيدة عادية!
فقاطعه شقيقها ضابط الشرطة وسأله إن كانت أمه
متعلمة؟ فابتسم عادل وهو ينفي ذلك! فقاطعه شقيقها المستشار إن كانت فلاحة أو تعمل
؟ فاستفسر منه عادل عن قصده من كلمة فلاحة أو تعمل ؟ فلم يرد عليه فأعاد عليه عادل
سؤاله مرة ثانية ! فأجابه المستشار إن كانت تعمل في الحقل أو أي عمل آخر؟! فقال
عادل :
- إن كنت تقصد عمل الأرض ممكن تذهب مع أبي لتجلس معه وهو
يعمل بعض الأوقات! ولكنها لا تعمل أي عمل آخر سوي عمل أي أم في بيتها لأسرتها!
فسأله ضابط الشرطة في عجرفة زائدة إن كانت تعمل
عند العمدة أم لا ؟ فاهتز عادل كثيرا وشعر بجرح كبير في كبريائه وكرامته واضطربت
جيهان عندما سمعت سؤال أخيها!وتمالك عادل أعصابه واتخذ موقفا هجوميا وهو يسأله:
-
ماذا
تقصد تعمل عند العمدة؟
لم يرد شقيق جيهان عليه فقالت أختها الكبري:
-
ربما
تذهب لتساعد زوجة العمدة في أي شيء!
تمالك عادل نفسه واستجمع قواه ثانية وهو يسألها
في تهكم وغضب:
-
تقصدين
خادمة يا دكتورة؟
لم ترد عليه فتوتر الجالسون جميعا ! ونظرت جيهان
إلي الأرض في حزن عميق لأجل حبيبها الذي قال في صوت حاسم:
- أمي لم تعمل عند أي انسان إلا اذا كنتم تعتبرون أن رعاية
المرأة لزوجها وأولادها في بيتها يجعلها خادمة!؟
عاد الأب ليسأله عن رأيه لو تقدم شاب مثله
لابنته المدللة لديه؟ فأجابه عادل أنه لو اقتنع بشخصيته وعلم أن أهله شرفاء لا
يعيبهم نقيصة أو فضيحة فسيوافق عليه مباشرة! واستجمع الأب قواه ليسأله مرة ثانية
إن كان هذا الموقف مناسبا؟ فوالد العروس سفير سابق وابن باشا وأمها بنت باشا أيضا
وأخوتها كما يراهم أمامه في أعلي المناصب بينما والد العريس فلاحا وأمه فلاحة أيضا!
لم ينهض عادل غاضبا منفعلا بل قاوم ودافع عن نفسه قائلا:
- أنا لا أحب أن
أكون في موقف الدفاع ولكني سأوضح لكم جميعا أمرا بسيطا بصرف النظر عن أي شيء! اذا
كان أبي فلاحا فله الشرف أنه أنجب خمسة من الأبناء رباهم أفضل تربية وحصلوا علي أعلي الشهادات! وإن كانت أمي فلاحة
كما تقولون فلها الشرف أنها سهرت علينا وكافحت مع أبي حتي نتعلم جميعا تعليما
جامعيا! قد تقولون أنني بكالوريوس تجارة نعم ولكني كنت الأول علي المحافظة في
الثانوية وآثرت أن ألتحق بكلية التجارة ليخف الحمل عن أبي ولأنهي دراستي سريعا
لأساعده في تعليم بقية إخوتي لنحفر لأنفسنا مكانا مميزا! لم يتوقف عادل بل نظر
إليهم وكأنه يلقي عليهم محاضرة قائلا :
- والأن والحمد لله لي أربعة إخوة! مهندسان بترول يعملان
بالسعودية بإحدي الشركات الامريكية ، وأخي الثالث أنهي دراسته بكلية الطب ، وأخي
الرابع في نهائي صيدلة!ها نحن أبناء الفلاح كما تقولون! لسنا لصوصا أو عبيدا ولنا
أن نفتخر بأبينا وأمنا! ومن حقهما أن يفتخرا بنا أيضا! ونظر إليهم وهو يسألهم:
-
أريد أن أعرف من أخبركم أن أمي عملت خادمة عند
العمدة؟
-
العمدة
نفسه!
قالها المستشار هشام وهو يخبره أنه استدعاه إلي
المركز وسأله بنفسه؟ فضحك عادل ساخراً وهو يسأله :
- ألم يخبرك هذا العمدة أنه أرسل إليّ أكثر من مرة لأخطب
ابنته ولكني رفضت لأنني كنت أريد أن أخطب الآنسة جيهان!.
فهم الجميع أنه تراجع
عن التقدم لخطبة جيهان! فقد رفضهم بكل وضوح قبل أن يرفضوه صراحة! فنهضت جيهان
وغادرت المكان مسرعة وصعدت السلم الرخامي في خطوات واسعة! نهض عادل وبدا عليه
التماسك وهو يقاوم نزيف الإهانة والجرح العميق وشكرهم علي حسن ضيافتهم واتجه إلي الأب
وصافحه وكذلك الأم ثم صافحهم جميعا وتمني لهم التوفيق ثم غادر المكان وسط ذهولهم
من قوة أعصابه!.
استقل سيارته وخرج متجها إلي كورنيش النيل
وألقي بجاكت بدلته داخل السيارة وأيضا رابطة عنقه ليجلس علي سور الكورنيش صامتا حتي مر بائع أذرة مشوي فطلب منه واحدا
فأعطاه ثم بحث في جيوبه فلم يجد نقودا! فنظر إليه البائع وهو يخبره أن يعتبره هدية
منه! تهون الدنيا دائما علي الفقير لا علي الغني! ولكن عادل فتح سيارته وأخرج
حافظة نقوده وأعطاه أكثر مما طلب فنظر إليه البائع قائلا:
-
الحمد
لله أنك بخير وبصحة فكل شيء بعد ذلك يهون يا باشا !
ترددت الكلمة في أذنيه فنظر إلي البائع وربت علي
كتفه وعاد ليجلس علي سور الكورنيش وظل جالسا حتي تجاوزت الساعة منتصف الليل فشعر
بإرهاق شديد فترك النيل مرغما ليعود إلي مسكنه ليخلد إلي نوم عميق وكأنه عائد من
معركة حربية!.
رقم الإيداع: 9305/2012

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق