ذهب إلي
عمله في اليوم التالي كعادته ولم يقابل أيا منهم ليسأله عن سبب عدم حضورهم الحفل!
وتعجب لاختفائهم وكأنه اختفاء مقصود ! لاحظ جميع العاملين بالإدارة دخول سيارة
شرطة قبل صلاة الظهر! فتجمع الناس حولها كما يتجمعون في الشارع عند أي مشكلة بداع
وبدون داع ! وكانت المفاجأة أن الضابط القادم يحمل إذنا من النيابة العامة بإحضار
وضبط المتهم! تساءلوا عن المتهم والجريمة فأجابهم الضابط !فأصابته الدهشة أنه متهم
باغتصاب وقتل فتاتين !وأخذ يردد بصوت مسموع أنا اغتصب وأقتل ؟! اغتصب وأنا متزوج ؟!
وأقتل وأنا أخاف الله ؟! كيف ومتي ؟! ظل يتساءل وسط شماتة البعض ، وحقد البعض
الآخر ، وفرحة آخرين !وإشفاق القلة القليلة من الزملاء ! ومديره يقول للعاملين
بصوت عال لابد أن هناك لبس في الموضوع ! فلا يمكن له أن يقتل أو يغتصب!.
في سراي النيابة واجهه رئيس النيابة بساعته
الملوثة بالدماء وبحكاية السيارة والفتاتين! بدأ يتذكر ما حدث، ميكروباص خاص و
فتاتين ! تصوير بالكاميرا والمحمول وغياب عن الحفل ! ونسيان الساعة مع كبيرهم
!ولكن من سيشهد معه ؟! اذا كانوا هم القتلة فلن يعترفوا ! وسيقولون أنها تبريرات
لإثبات براءته! وهل يعترف مذنب ؟!إنه في الحلقة الأضعف ! دارت داخله حوارات كثيرة،
وأثناء التحقيق سأل رئيس النيابة إن كان سيصدقه لو أخبره أنه بريء من هذه التهمة
براءة الذئب من دم ابن يعقوب ستصدقني ؟! فأجابه أنه سيفرج عنه فوراً لو أثبت له
بالدليل القاطع ! فتذكر صديقه الذي ركب
معه من المسجد حتي القاعة فاتصل به وطلب منه الحضور إلي سراي النيابة فأخبره أنه
سيحضر إليه مسافة الطريق! واستشهد بالمدير العام فقد رآه ينزل من سيارة صديقه ،
واستشهد بكبيرهم الذي حضر قبل نهاية الحفل وجلس معه !.
حضر الجميع وأكدوا ما قاله! ولكن ذلك لا يمنع
من ارتكابه الجريمة فقد وقعت بين نزوله من
سيارة صاحبه وحضور كبيرهم قرب نهاية الحفل !.
تعقدت القضية أمام إصرار المجموعة أنه صاحب
الصور التي أرسلها أحد الأشخاص للنيابة صباح اليوم التالي وبها مكان الجثتين!
أسودت الدنيا في عينيه وألقوه في الزنزانة مع الآخرين وهولا يدري كيف يأتي الحل ؟!
حاول الآخرون التحرش به لينتقموا منه علي ارتكابه هذه الجريمة النكراء من اغتصاب
وقتل فتاتين فلم يفلحوا! فقد حال وقاره دون ذلك ومنعته هيبته منهم ! بدأ يفكر في
طريقة للخروج من هذا المأزق وقد اشتاق لرؤية زوجته وأولاده واشتاق للهواء الحر
بعيدا عن الزنزانة! نادي عليه الحارس ليخرج للزيارة فتحرك في خجل فكيف يقابل زوجته
في هذا الظرف العصيب؟!لابد أنها جاءت بمفردها فليس من المعقول أن تأتي بأبنائها
ليرونه في هذا المكان ؟! أشفق علي زوجته من نظرة الناس إليها خاصة مع رقة مشاعرها!
دخل مكتب المأمور فلم يجد زوجته! بل وجد محاميا فسأله عن سبب زيارته فأخبره أن
زوجته تطلب الطلاق !ولم يترك له فرصة ليعيش الصدمة فإن رفض فستطلب الخلع فورا !
كانت طعنة زوجته أقوي من اتهام الاغتصاب والقتل ! فهاهي تقدم للنيابة دليلا قويا
وعمليا علي سوء أخلاقه ! فالوضع الطبيعي أن تقف الزوجة مع زوجها في هذه الظروف
العصيبة لا أن تتخلي عنه ! وضعه المحامي أمام خيارين كلاهما مر فالطلاق طعنة
والخلع أمر لا تقبله كرامته ولا رجولته !.
أشفق عليه المأمور فأعطاه كوبا من الماء وربت
علي كتفه وهو يخبره أن امرأة بهذا التصرف لا تستحق أن تكون زوجة! فطلقها فإذا
بالمأذون يدخل بعد أن أذن له المأمور ! إذن فالأمر هكذا يا زوجتي !ترسلين المحامي
والمأذون في نفس الوقت؟! إنك لا تستحقين أن تكونين زوجتي كما قال المأمور! .
عاد إلي محبسه وهو يحاول جاهداً أن يتماسك
ويصمد ولكن ملامح وجهه وبريق عينيه بالدموع أقوي دليل علي بدء انهياره !فتوضأ
ليصلي ركعتين لله ، وفي سجدته الأخيرة أخذ يتضرع لله بالدعاء حتي بكي بكاءاً
شديداً فبللت دموعه الأرض! ولاحظ نزلاء الزنزانة أن الأرض بللتها الدموع! لم يستطع
أن ينهض من سجوده فظل يئن حتي تمالك نفسه وهدأت مشاعره ، وكأنه غسلها بدموعه
وطهرها من آثار طعنة زوجته! فانتهي من صلاته فألقوا أنفسهم عليه وعيونهم تترقرق
بالدموع وهم يقسمون بالله أن أي واحد سيخرج منهم سيساعده بكل ما يملك! فعانقهم و
شكرهم علي مشاعرهم الإنسانية العميقة .
عاد الحارس مرة أخري لينادي عليه لزيارة أخري
فخرج هذه المرة مرفوع الرأس فقد كانت كلمات زملاء الزنزانة ماء الحياة الذي أعاد
له إرادته وصلابته بعد أن آمنوا ببراءته! فدخل علي المأمور بوجه غير الوجه الذي
خرج به قبل ساعة تقريبا! فوجئ بالزائر أنه المدير العام جاء ليشد أزره ويؤكد له
وقوفه جانبه حتي تثبت براءته التامة أمام الدنيا كلها !.
في اليوم الرابع من حبسه ظهرت مفاجأة من
العيار الثقيل! فقد أظهر تقرير الطب الشرعي وجود آثار جلد بشري في أظافر إحدي
الفتاتين وبعد فحص المتهم فحصا دقيقا وتحليل عينة من جلده تبين أن آثار الجلد خاصة
بشخص آخر! كان ذلك بمثابة بصيص ضئيل من الأمل ولكنه لا ينفي اشتراكه في الجريمة
!فعادت النيابة مرة أخري إلي مسرح الجريمة لإعادة مسح المكان مسحا دقيقا فظهر
دليلا قويا هذه المرة في طريق الكشف عن الحقيقة !فقد عثروا علي قطعة صغيرة من
الصلب عليها آثار دماء بشرية وجاء تقرير الطب الشرعي ليؤكد إنها ليست خاصة بالمتهم
الحالي وعندما عرضوا عليه قطعة الصلب قال علي الفور إنها مثل ساعته تماما ! بدأت
الخيوط تتكشف ولكن ببطء شديد في الوقت التي كانت فيه المجموعة الإجرامية تتحاشى
الحديث مع الناس عن أي شيء سوي حقيقة المغرور الدنيئة ! فتحولت الأغلبية إلي أعداء
لهذا المغرور !أما المدير العام فقد أيقن أنه ليس الفاعل وتمني لو يجد دليلا واحدا
وأخذ يفكر جديا في هذا الأمر .
دخل عليه كبيرهم مبتسما فطلب منه الجلوس وأمر
الساعي أن يحضر له مشروبا وبدأ يتحدث معه عن العمل وعمن سيحل محل المتهم ؟ فرشح له
أحد أفراد مجموعته ليحل محل المتهم ! ففاجأه المدير العام متسائلا :
ـ هل يمكن لأي شخص
تمييز ساعتك عن ساعة المتهم ؟!
نفي ذلك و خلع ساعته
بدون وعي وأعطاها للمدير العام الذي لمح آثار جرح حديث تخفيه الساعة فلم يبد أي
شيء واستمر يتأمل الساعة ويتفحصها فتنبه الآخر للجرح فقال في تهكم أن الهانم ـ
يقصد زوجته! ـ شوهت رقبته وصدره بأظافرها حتي ذراعه لم يسلم منها!.
ضحك المدير العام
قائلا :
ـ دلع ستات !.
ودعي الله أن
يرزقهما الولد ليشغلها عنه بعض الشيء فرد
عليه قائلا:
ـ أو البنت المهم أن
يرزقنا الله الإنجاب !.
أنهي حديثه مع المدير العام ثم استأذنه فأذن
له وما أن خرج حتي رفع المدير العام سماعة التليفون وطلب زوجة كبيرهم فسألها عنه
فأخبرته أنه في العمل، فأخبرها بما قاله زوجها لتخبره هي بالحقيقة ! فأقسمت بالله
أنه الذي افتعل الشجار ولطمها ليستفزها ولكنها لم تلمسه بأظافرها أو بأي شيء! فسألها
ألم يلفت انتباهها أي شيء تلك الليلة ؟! فأخبرته أنه عاد مرتديا ملابسا جديدة !
دخل الساعي وهو يتحدث ليأخذ الأكواب الفارغة فلم يلحظ المدير العام دخوله أو خروجه
! وسألها إن كان عندها استعداد للشهادة أمام النيابة بتلك المعلومات فرفضت الفكرة
فحاول معها فأصرت علي الرفض التام ! جلس حائرا أمام رفضها وتساءل هل يترك بريئا
حبيسا والجاني الحقيقي مطلق الحرية ؟! ماذا لو ذهب للنيابة واستشهد بها فأنكرت كل
ما قالته؟! إنه يريد أن يساعد بريئا يعلم براءته لأنه لم يغادر الحفل منذ مجيئه
وحتي انتهائه! انتابه الإحساس بالعجز فترقرقت عيناه بالدموع فانتفض وقرر الذهاب
للنيابة!
كان كبيرهم يجلس مع عصابته وقد اتخذوا قرارا
حاسما ! فقد قرروا أن يبطشوا بمديرهم العام حتي لايورطهم! فغادرت يد البطش لتنفيذ
قرارهم في الطريق! وعاد كبيرهم إلي بيته وأخذ يضرب زوجته ضربا مبرحا و يهددها
بالقتل إذا نطقت بحرف! وإنه سيرسلها إلي بيت أبيها حتي تنتهي هذه القضية وهي ترتجف
خوفا وترتعد مفاصلها فهي تعرفه جيدا !.
نقل المدير العام إلي المستشفي في غيبوبة
كاملة أثر تعرضه لضربة قوية بآلة حادة علي مؤخرة رأسه وبدا كأنه في حالة موت
سريري! فضاع أحد المؤمنين ببراءة الحبيس لتتعقد مشكلته!وعندما علم بما حدث للمدير
العام أيقن أن الجناة لن يتهاونوا مع من يشكل عليهم أي خطر ولو معنويا! قال ذلك
وهو لا يعرف ما دار من حديث بين المدير العام وزوجة كبيرهم؟أو الذي حدث بين كبيرهم
وزوجته؟ وانتابه شعور عميق بالتفكير في شيء يحرك النيابة للتفكير في محاور أخري
حتي لا تكتفي بوجود متهم وحيد تحاصره الأدلة وشهادة زملائه المتآمرين! فبدأ يستعيد
شريط الأحداث من أول لحظة وقف فيها الميكروباص أمامه، وركوبـه وسؤالـه عن الغائب ،
والصور الكثيرة ، وزميله وبصحبته الفتاتين ومحاولة تنظيم الجلوس في الميكروباص بحيث تجلس الفتاتان بجواره ،
ومغادرته لصلاة العشاء ولقائه بصديقه القديم ، واعتذاره لعدم ركوبه معهم ورؤيته
للفتاتين وقد تعرت إحداهما! بل وأكثر من ذلك عدم حضورهم لحفل الزفاف وحضور كبيرهم
بمفرده قرب نهاية الحفل بملابس غير التي رآه بها لحظة صعوده الميكروباص ! فأين
ذهبت ملابسه التي كان يرتديها ؟! هذه واحدة ! وطلباته لمشروبات كثيرة لينهي الأمر
بسكب الشاي علي ملابسه ليذهبا معا للحمام ليأخذ ساعته ويحتفظ بها! هذه ثانية!
فالأمر مخطط له بكل دقة ليحتفظ بساعته ويخفي ما حدث لساعته عند ارتكاب الجريمة
خاصة وأن الساعتين متشابهتان تماما ! وأخيرا حضور المدير العام ليشد من أزره
وليؤكد براءته! إذن ما حدث للمدير العام ليس مصادفة بل مدبر! فهل عرف المدير
العام شيئا خطيرا ليفعلوا به ما فعلوه ؟!
هذا هو السؤال الذي أريد أن أعرف إجابته! فربما يكون مفتاح اللغز في هذه الإجابة ؟!هل
يصدقني رئيس النيابة إذا قلت له هذه الملاحظات الثلاث ؟! أم سيقول إنها محاولة
للخروج من هذه القضية؟! .
كانت زوجة كبيرهم في بيت أبيها ترتجف ولا
تتحدث مع أي شخص عن أي شيء! فقد أيقنت أنه اشترك في تلك الجريمة !وأن المتهم
المحبوس حاليا لم يرتكبها ولكن من يشهد بذلك؟! فزوجها لن يتورع عن تشويهها بماء
النار اذا فكرت في الخروج! وربما يكون أحد أعوانه يراقب البيت ! كان الرعب يملأ
قلبها والخوف يكاد يقتلها وهي لا تستطيع التوقف عن التفكير في البريء! ولكن ماذا
تفعل ؟هل تضحي بحياتها من أجل إنسان آخر؟! هل تفقد جمالها لأجل إنقاذ شخص لا تعرفه
؟!ثم انتفضت فجأة فقد خطر ببالها أن الحقيقة انكشفت! وأصبحت مشتركة معهم بتسترها
علي الجاني الحقيقي ! فأصابتها حالة من الهيستيريا الشديدة وبدأت تصرخ وتصرخ حتي
سقطت مغشيا عليها بين إخوتها ووالديها !.
الترقيم الدولي
: 7-
6855 – 17 – 977
الطبعة الأولي 2009

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق