الحلقة الرابعة
- 5 -
( يزيد بن معاوية)
أول طاغية فى الإسلام
أنار الإسلام مشارق الأرض ومغاربها عندما بعث الله محمدا
نبيا ورسولا بكتابة المعجز القرآن الكريم وتربى الجيل الأول من الصحابة على يدى
الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا عمالقة فى الحق وقادوا البشرية فى أحلك اللحظات
ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .
وتوالى الخلفاء وانتهى الأمر بعد على بن أبى طالب كرم
الله وجهه إلى معاوية بن أبى سفيان احد دهاة العرب فأقام معاوية ملك بنى أميه على
أمل أن يستمر الحكم لابنه يزيد من بعده ثم لحفيده معاوية بن يزيد بن معاوية وهكذا
ليصبح حكم المسلمين فى بنى أميه يتوارثونه جيلا بعد جيل.
وصارع معاوية كثيرا حتى يصل إلى الحكم وعندما أصبح أميرا
للمؤمنين بدأ يعد العدة ليجهز مسرح الأحداث ليقبل ابنه وليا للعهد بمساعدة حاشيته
ورجالات حكمه وأخذ يوجهه ويعطيه خلاصة تجاربه ليكون خليفة له وسط مباركة حاشيته
التى ستستمر فى السلطة باستمرار يزيد وهكذا أبناء رجال الحاشية هم حاشية المستقبل
إذا لقد توحدت المصلحة بين الحاكم وحاشيته وأصبح هم معاوية أن يأخذ البيعة لابنه
وهو حى وبين حاشيته فإذا مات فجأة فلقد جهز كل شيء ولم يجد معاوية اى معارضة من
حاشيته لاختيار يزيد وليا للعهد بل وجد تأييدا وترحيبا وكأنه لو لم يختاره وليا
للعهد ستنهار الدولة الإسلامية وأراد معاوية أن يستطلع رأى أهل المدينة المنورة
وبالتحديد آراء الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن
بن أبى بكر رضى الله عنهم جميعا .
وحاول عن طريق أمير المدينة أن يأخذ منهم البيعة فلم
يستطع الأمير أن يجبر أيا منهم فقرر معاوية أن يذهب بنفسه إلى المدينة المنورة
ليأخذ البيعة لابنه ليرث الحكم من بعده .
هكذا الحكام يرون أبناءهم أفضل من الآخرين وها هو معاوية
بن أبى سفيان رضى الله عنه وسط حاشيته التى مكنته من حكم الدولة الإسلامية وهم
يزينون له تلك البيعة .. وهم يفاضلون بين ابنه يزيد وأولئك الأربعة .. أما الأول عبد
الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما.، فأفراد الحاشية يهونون من شأن عبد الرحمن إمام
شأن يزيد ، وهم يرددون أن يزيد ابن بيوت العز والكرم .. تربى بين أحضان معاوية
الداهية الذى استطاع أن يتربع على عرش الخلافة من بين فكى الأسد على بن أبى طالب
رضى الله عنه .
كان عبد الرحمن كان أمهر العرب رميا وكان صاحب عزة نفس
وكرامة ولم لا وهو من هو ؟ وأبوه غنى عن التعريف !! .
أنه أبو بكر رضى الله عنه أول خليفة فى الدولة الإسلامية
وصاحب النبى الكريم أنه يسمو فوق الكلمات مهما بلغت بلاغتها ورغم ذلك فالحاشية
المضللة تقول أن يزيد أفضل من عبد الرحمن . وعندما نظروا إلى الثانى عبد الله بن
عمر رضى الله عنهما لم تستطع الحاشية الفاسدة إلا أن تقول أن عمر رضى الله عنه
اختار ستة لاختيار خليفة من بعده ليس بينهم ابنه عبد الله أنه الضلال المزوق فى
صورة الحق المزعوم برأى حاشية معاوية وكأنهم رأوا فى إبعاد عمر لابنه عن الصراع
على الخلافة طعنا فى كفاءته ولكن معاوية لم ينس أن الناس أبدوا رغبتهم فى اختيار
عبد الله بن عمر للخلافة عندما احتدم الصراع بين على ومعاوية .
ولكنه يحب أن يسمع مدحهم لابنه إمام عينيه وهكذا أبعدوا
عبد الله رضى الله عنه بمنطق غريب .. أنه ابن عمر ولكنه ليس عمر !!
أما الثالث عبد الله بن الزبير رضى الله عنه صاحب الذكرى
الخالدة فى نفوس المسلمين فهو أول ولد يولد للمسلمين بالمدينة ليخرس السنة يهود
المدينة .. أبوه الزبير بن العوام رضى الله عنه ابن عمة النبى صلى الله عليه وسلم
وحوارى الرسول .
أمة أسماء ذات النطاقين صاحبة البصمة الظاهرة فى هجرة
الرسول إلى المدينة المنورة . أسماء هذه رمز الشموخ والإباء والإيمان جده أبو بكر الصديق
رضى الله عنه .
شارك فى كثير من الفتوحات الإسلامية ولكنه أين سيذهب إذا
وضع فى كفة الميزان إمام يزيد بن معاوية ؟؟
إنه ظلم الحاشية وظلم الحاكم الذى يريد أن يسمع من
الحاشية ما تطيب له نفسه ويزيد يزداد غرورا ولم لا ؟ وأركان الدولة يبايعونه وليا
للعهد أنهم يرون باقى المسلمين ودولة الخلافة بالرعاع والأوباش !! هل ينتظرون حتى
تختار الأمة أميرا غير يزيد ؟
لا يمكن أن يقبلوا هذا الأمر ومعاوية يخشى أن تزول دولته
وسلطانه إذا ترك الأمر شورى !!
وبقى الحسين بن على رضى الله عنهما ماذا ستفعل الحاشية ؟
ماذا سيقولون ؟ أنه الحسين بن على ..
لو وضعوا الحسين فى كفة وشباب بنى أميه فى كفه لرجحت كفه
الحسين
واحتارت الحاشية فلقد استبعدوا الثلاثة السابقين بمنطق
ضعيف وحجج واهية ولكنهم كذبوا على معاوية وعلى أنفسهم ، استبعدوا الثلاثة السابقين
رغم أن أولهم ابن الخليفة الأول وثانيهم ابن الخليفة الثانى وأول أمير للمؤمنين
وثالثهم ابن حوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفيد الخليفة الأول ، أما الحسين
فهو سيد شباب أهل الجنة سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن فاطمة الزهراء وعلى
بن أبى طالب ترتعد الحروف والكلمات إذا كتبت أن يزيد أفضل من الحسين ولكن مصلحة الحاشية
فوق مصلحة الأمة جميعاً !!
أنهم يرون معاوية ولا يرون الله ومعاوية يواصل هذا الظلم
وسط تأييد مطلق من الحاشية التى بدأت تتعامل مع يزيد أنه الخليفة القادم ووجد
الفرصة .
إنه سيد شباب أهل الجنة وليس سيد شباب أهل الدنيا ؟!
ولقد اختارت الحاشية الدنيا ولم يشك معاوية لحظة واحدة
أنه يختار الأفضل لأنه لو تسرب الشك إليه لاختار الحسين بن على رضى الله عنهما فهو
أفضل من يزيد وكذلك كان الحسن بن على رضى الله عنه أفضل من يزيد ولقد تخلصوا من
الحسن فى الخطوة الأولى فلما لا يتخلصون من الحسين ؟!
وقرر معاوية أن يذهب بنفسه للمدينة لينتزع البيعة من
هؤلاء الأربعة عنوة وحيلة وطار الخبر إلى المدينة المنورة أن معاوية قادم لأخذ
البيعة لابنه يزيد وليا للعهد من بعده .
هنا وقف عبد الرحمن بن أبى بكر فى المدينة وأعلن أنه لن
يبايع يزيد وسيخرج من المدينة إلى مكة .
عجبا لقد هاجر أبو بكر مع الرسول صلى الله عليه وسلم من
مكة إلى المدينة فى سبيل الحق وفى سبيل إقامة الدولة الإسلامية فى دار الهجرة بعد
أن أذاقتهم دار البعثة مكة المكرمة من كل ألوان العذاب والقهر على يد طغاة قريش
أمثال أبو جهل وأبو سفيان وأمية بن خلف وغيرهم وها هو الابن يقرر العودة إلى مكة
لكى لا يبايع بيعة قهر وإذلال وحتى لا يجبره معاوية على البيعة ولم يكتف عبد
الرحمن بذلك بل قال بصوت عال سمعه الناس إذا أراد أحد أن يتبعنى ليجبرنى على
البيعة فسوف أرميه فأنكم تعلمون أنى أرمى العرب .
وغادر عبد الرحمن المدينة وبقى الثلاثة حتى حضر معاوية
وحاول معهم باللين فلم يستطع فقال مهددا ومتوعدا أنه سيصعد المنبر ، أى منبر هذا ؟
إنه منبر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم جد الحسين وقف عليه أبوبكر والد عبد
الرحمن ووقف عليه عمر والد عبد الله ولكنه سيقف على المنبر ليعلن على الملأ أن
هؤلاء النفر قد بايعوا يزيدا وليا للعهد وجعل خلف كل واحد من الثلاثة رجلا يحمل
سيفا فإذاهم أحدهم بالاعتراض أمر بقطع رقبته هكذا كانت بيعة الظلم والطغيان .
الحاكم فوق المنبر والرعية فى المسجد بينهم ثلاثة من أعلام
الدولة الإسلامية مهددين بالقتل إذاهم أحدهم بالاعتراض ، فكانت بيعة الطاغية يزيد
بن معاوية . الذى حكم بهذا الأسلوب .. فهل من يصعد لكرسى الحكم بهذه الطريقة من
الممكن أن يكون عادلا ؟؟
وتولى يزيد الحكم بعد رحيل معاوية .. وأخذ يعربد وسط
حاشيته الظالمة التى جعلت من نفسها طبقة فوق الناس فما أن ينطق إنسان بكلمة حتى ينبرى
احدهم لتفنيدها ، باستهتار واستهزاء وكأن الآخرين نكرة .. وكأن الحاشية فوق الناس
والرعية ! ولكن هل يرضى الحسين بذلك ؟ ذهب ليزيد فى دمشق ووجدها يزيد فرصة ليهزأ
بالحسين رضى الله عنه ولم يكتف بذلك بل تطاول على السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى
الله وعلى أبيه على بن أبى طالب والحاشية تضحك والحسين كالجبل الأشم .. وترك يزيد
يقول ما يشاء حتى انطلق المؤذن يعلن آذان الظهر .. حين وصل المؤذن إلى أشهد أن
محمدا رسول الله . نطق الحسين بسؤال واحد .
-
جد من هذا يا يزيد ؟!
انتفض الطاغية مكانه وطلب من حاشيته أن يغادر الحسين
المجلس بل ودمشق كلها ولا يريد أن يراه ثانية .
بدأ الحسين يعلن عدم رضاه وأرسل له أهل العراق ليبايعونه
ويخلعون يزيد بن معاوية وخرج الحسين رضى الله عنه ..
علم يزيد فأرسل إلى طاغيته فى العراق ابن زياد ليعد
العدة للقضاء على الحسين بن على وآله ، و هكذا صور الطغاة أنفسهم آلهة العدل
والحرية وصوروا الحسين متمردا معارضا حاقدا على الحاكم العادل وجهزوا الجيوش
ودفعوا الحسين ورجاله القلائل فى طريق اللا عودة حتى استقر الحال به فى كربلاء .
وبدأت المعركة غير المتكافئة بين الحق والباطل .. بين
الثائر الحر والحاكم الطاغية وحاشيته التى صورت له أن قتل الحسين سيريحه .
ونبه الحسين جيش يزيد وذكرهم أنه الحسين سبط رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولكن السلطة والمال والرضا الموعود من الحاكم فوق كل اعتبار .وانتهت
المعركة بمقتل الحسين بن على .
من القاتل هنا ؟ هل هو يزيد ؟ أم طاغية العراق ابن زياد
؟ أم قائد الجيش عمرو بن سعد بن أبى وقاص؟ أم ابن ذى الجوشن الذى قطع رقبته؟
أراهم كلهم
يحملون صفة القاتل .. بدءا من الحاكم الذى سلط أركان حكمه وجيشه مرورا بطاغية
العراق ابن زياد وانتهاءً بابن ذى الجوشن فلقد قتلوا الحسين وسبوا نساء آل البيت
وفيهم السيدة الجليلة زينب بنت على التى سماها الله بهذا الاسم .
هكذا حكم يزيد
على نفسه أن يكون أول طاغية فى الدولة الإسلامية .. ولكن هل تغيرت النهاية ؟
لا .. لم تتغير
.. أنها سنة الله فى الأرض ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا .لم
يطل العمر بيزيد بل لم يحكم سوى ثلاث سنوات ثم أصيب بما يشبه الجنون ومات إما ابن
زياد فلقد جن هو الآخر فخرج تائها فى الصحراء حتى أكلته الذئاب أما ابن ذى الجوشن
فقد أصيب بالاستسقاء حتى انفجرت بطنه ومات ألا لعنة الله على الظالمين .
ولم ينته الأمر
عند هذا الحد .. فلقد آل الأمر فى نهاية سريعة إلى مروان بن الحكم لينتقل الأمر من
فرع أبى سفيان إلى فرع مروان بن الحكم .
لو كان يعلم
معاوية أن النهاية ستكون خلال سنوات قليلة من رحيله أظنه ما فعل ذلك ولكنها الدنيا
والحاشية الظالمة .
إلي اللقاء في الحلقة الخامسة
الكتاب : الأزمة العالمية بين الاقتصاد والسياسة
الكاتب : محمد فؤاد أبو بطه
الطبعة : الأولي ابريل 2009
رقم الإيداع : 2009/ 7679
رقم الترقيم الدولي:5- 6856- 17- 977

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق