الثلاثاء، 11 مارس 2025

كتاب(ومضات نورانية)الحلقة (١٤)


                              الحلقة ( ١٤ )

*  أبوطالب يقوى بابن أخيه :
  كان لأبى طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب سناً وشرفاً ومنزلة لدى قريش وكان معروفاً عنه حبه لمحمد! ورغم ذلك لم يؤمن بدعوته وتمسك بعقيدته مثل كبار رجالات قريش ! لكنه لم يفرط فى ابن أخيه ! حتى عندما ضعف أمام تردد أهل مكة عليه ليطلبوا منه أن يمنع ابن أخيه من سب آلهتهم تارة أو يسلمه إليهم تارة أخرى ! كان أبوطالب قد تقدم فى السن فبعث إلى ابن أخيه فقال له : يا ابن أخى إن قومك قد جاءونى فقالوا لى كذا وكذا ، للذى كانوا قالوا له فأبق علىّ وعلى نفسك ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق! فظن النبي أنه خاذله أومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه !.
  هنا ينهار الأقوياء ويتخاذل الأشداء ويصدم الأبطال! هنا يصاب الانسان بإغمائه قد تودى بحياته! فها هو السند الأقوى له يبدو وكأنه يتخلى عنه وينفض يده من نصرته ! إذن من سيقف بجانبه ؟! لقد عاداه أبولهب واسمه عبد العزى بن عبد المطلب !وحمزة مشغول بنزواته والعباس بتجارته ! لو قيلت هذه الكلمات لأقوى ثائر من أقرب الناس إليه لتخلى عن ثوريته وهرب إلى خارج بلاده بلا عودة ! فماذا يفعل النبى محمد الآن والمؤمنون معه قليلون وضعفاء وليس له مكان آخر غير مكة يذهب إليه؟! هل يعاتب عمه عن تخليه عنه ولو فعل ما لامه أحد ؟! أم يساومه أن يكون له الخير الوفير إن فتح الله عليه ؟! أم يخرج ويترك عمه ولا يرد عليه ؟! هل يترنح ويجلس واضعاً يديه على رأسه يبكى ويندب حظه لأنه بلا أب يحميه ؟!.
   لقد وصل أبوطالب بكلماته هذه إلى أقصى مراحل الضعف! وله العذر فى ذلك فقد تقدم سنه وقل ماله ولا يريد أن يفقد مكانته عند قريش فى نهاية عمره! هنا فقط تظهر عظمة النفس وقوتها وينطق النبى بكلمات قليلة ولكنها كالجبال الراسيات فى ثباتها وكالأمواج الهادرة فى قوتها وعنفها وهى الثقة المطلقة ذاتها! فقال" يا عم والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته" !.
  لقد بدأها النبى بندائه عمه ليخبره أنه سيظل يحترمه ويقدره ولن يقول له غيرها حتى وإن تخلى عنه!إنها قوة النفس البشرية فى أحرج لحظات تقرير المصير! ثم أقسم بالله الذى آمن به ليظهر إصراره وتحديه لأهل مكة جميعاً ثم يذكر الشمس والقمر وهو يعلم ما لقيمتهما عند أهل مكة فى حساب السنين والشهور والأيام فيأتى بالمستحيل أن يضعوهما بيديه! ورغم ذلك يعلن وبقوة إنه لن يترك هذه الدعوة حتى تنتشر وتنتصر أو يلقى ربه شهيداً! .
  كانت هذه الكلمات كالزلزال الذى هز أركان أبى طالب ،والبركان الذى حرك فيه كل قوى الخير والحب والتقدير لابن أخيه فناداه بعد أن كان ولى وقال " أقبل يا ابن أخى " فأقبل عليه فقال له "اذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشىء أبداً " ! كلمات النهاية عكس بداية الكلمات تماماً! لقد تحول الموقف تماماً من رجاء واستسلام فى الحوار إلى أمر وطلب بقوة ليفعل ما يريد مؤكداً قوته بقسمه بالله كما أقسم ابن أخيه ! كم مرة سجل التاريخ مثل هذه الحادثة أن يتقوى العم الكبير ذو المكانة بابن أخيه اليتيم المضطهد من قومه ؟!.
  لو كان أبوطالب مسلما لقلنا أنه يدافع عن عقيدته! ولكنه كان على دين قومه ورغم ذلك أعلن التحدى ووقف مع ابن أخيه! ولم لا وهو الصادق الأمين قبل البعثة ورسول الله بعد بعثته ! لم يقف أبوطالب عن إعلان الدعم والتأييد الكامل لإبن أخيه وكفى بل دعا بنى هاشم وبنى المطلب إلى منع أهل مكة من الوصول إلى محمد ابن أخيهم! .
* التعذيب المر وإسلام حمزة :
  وقف بنى هاشم وبنو المطلب إلى جوار محمد كما طلب منهم أبوطالب إلا أبولهب وقف بجانب قريش ضد ابن أخيه ! وبدأت قريش تتغامز على النبى حتى أنهم فى يوم اجترءوا عليه وأخذ أحدهم جميع ردائه حتى حال أبوبكر بينهم وبينه وتحمل عنه الأذى ليعلن على الملأ أنه فداء لصاحبه! كان لابد من فارس قوى الشكيمة معروف لقريش كالشمس لا يخشى شيئاً يعلن أنه من أتباع محمد ليردع قريش عما تفعله معه !وكان القدر على موعد مع أخيه من الرضاع الحمزة بن عبد المطلب! عندما انتظرته جارية عائدً من قنص له لتخبره أن أبا جهل سب ابن أخيه وأذاه ! فثارت الدماء فى عروق الفارس وانتفض لابن أخيه ليقف على الطرف الآخر من موقف أبى لهب ! ويحتفظ بثورة أعصابه ودمائه باحثاً عن أبى جهل لينتقم لابن أخيه منه! بينما محمد فى داره مع السيدة خديجة تخفف عنه وترفع معنوياته عما سببه له أبوجهل من ألم نفسى !.
   لم يكن يدرى أن الحمزة فى طريقه للثأر له من الجهل وأبيه! اتجه إليه غير مكترث بأحد  فليكن هو عمرو بن هشام المخزومي فأنا الحمزة بن عبد المطلب الهاشمى! أين أنت يا أباجهل ؟ أين غطرستك ؟ أين جبروتك ؟! رأى الحمزة قادماً فتهيأ ولابد أنه كان مبتسماً فهما على دين الكفر سوياً! لم ينطق الحمزة بحرف بل رفع قوسه وضرب رأس أبى جهل ضربة شديدة فشجه شجة منكرة ولم يكتف بذلك بل تحداه أن يرد عليه ضربته ! إنها القوة والعزة ! إنها النصرة لابن أخيه ! إنها الرجولة والفروسية تجرى فى عروق هذا الفارس  وألقى مفاجأته الكبرى عليهم جميعا .. أنا على دينه أقول ما يقول! تهون الضربة المؤلمة ! يهون التحدى على قريش ولكن لا يهون عليها أن يعلن الحمزة إسلامه ويجهر به أمامهم فى ناديهم وهم يدرون من هو الحمزة! ليكون الحمزة أول من يجهر بإسلامه في ناديهم!.
  بعدها جهر عبد الله بن مسعود رضى الله عنه بالقرآن بمكة بسورة الرحمن! قرأها عند مقام ابراهيم ليكون أول من جهر بالقرآن الكريم فى مكة! نعم آذوه عند قراءته ولكن لا شىء عظيم بدون تضحية وتحمل؟!وظهر للرسول أن أصحابه على إستعداد لفعل كل شىء.
*  أول شهيد فى الاسلام :
  اشتد عذاب قريش للمسلمين وبخاصة المستضعفين! فها هو بلال بن رباح يذهبون به إلى البطحاء ويضعون الصخرة العظيمة على صدره حتى يرجع عن دين محمد ولكنه يرددها لهم أحد أحد! هل هؤلاء بشر؟! نعم؛ ولكنهم أصحاب اليقين النورانى! لا ترهبهم الضربات ولا تسكتهم الركلات! إنهم يسطرون أروع صور التحمل واليقين ذات الوقت ولم يقل أحد ماذا سيفعل أبنائى اذا مت ؟! كيف سيعيشون ؟! أريد أن أربى أولادى! لا أريد أن يشردوا ! وهل يضمن الإنسان إذا نام ليلاً أن يطلع عليه النهار ؟! إذن ماذا سيفعل أبناؤه وقتها ؟! إن الأمر ليس أبناء وبنات ولكن الحقيقة ضعف الإيمان وحب الدنيا والخوف من الموت الذى سيأتى حتما طال العمر أم قصر! إنها الحجج الواهية يقنع الضعفاء من البشر بها أنفسهم! قد يقول قائل أن بلالاً لم يكن له أبناء ! ولكننا الآن مع أسرة كاملة زوج وزوجة وابن وحيد! فماذا سيقول القائل ؟! هل يتراجع الأب والأم لينجو ابنهما الوحيد بمنطق الضعفاء ؟! أم يتراجع الزوج ليحفظ شرف زوجته ؟! وهل هناك أشرف من بذل الرخيص والنفيس فى سبيل الله ؟! أم يرتد الإبن لينقذ أبواه ؟! كانوا يلاقون أشد العذاب فيمر بهم النبي فيبشرهم جميعا بالجنة! فهذه أول أسرة تبشر جميعها بالجنة وهو يقول لهم " صبراً آل ياسر موعدكم الجنة"! لم يقولوا له كما قالت اليهود لموسى عليه السلام "أوذينا قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا " ولكنهم صبروا فبشرهم النبي بالجنة! لأنهم يسطرون بدمائهم وآلامهم أول سطور الخلود لدين الله! اشتد تعذيب أبوجهل لأم عمار – السيدة سمية – واشتد سبه لها وللدين الجديد ولرسول الله فبصقت فى وجهه وهى ملقاة على ظهرها فى رمضاء مكة ! موقف تشيب له الولدان ! امرأة قيدت من يديها ومن قدميها لا حول لها ولا قوة أمام فرعون قريش لم تساوم لم تستسلم لم تتوسل بل بصقت فى وجهه! فثار غضبه وأمسك بحربته وقذفها فى قبلها فاستشهدت من فورها وأسلمت روحها لبارئها لتسجل نفسها أول شهيد فى الاسلام ! ولتكتب اسمها بحروف من نور لتضىء ظلام الجهل والجهلاء بعد اتهامهم للإسلام بعدائه للمرأة وعنصريته للرجل ! ها هى سمية أم عمار تكتب شهادة البراءة للإسلام من كل بهتان يحاول أعداء الإسلام ومعهم المستغربون من تلك الأمة إلصاقه بالإسلام ! فبعد أن كانت السيدة خديجة رضى الله عنها أول من آمن بالنبى محمد ،وأول من بشر ببيت فى الجنةفها هى سمية أم عمار تعطى درساً عملياً فى الدفاع عن عقيدتها السليمة وعن نبيها وعن كل قيم الحرية الحقيقية وتسجل نفسها أول شهداء الاسلام برمضاء مكة المكرمة .

              وإلي اللقاء في الحلقة ( ١٥ )

الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
 رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977
  
طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

                           1430هـ - 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق