الجمعة، 7 مارس 2025

كتاب (ومضات نورانية ) الحلقة الثامنة



                            ( الحلقة الثامنه )

*  فى بيت الزوجية :
   يكن محمد كل الحب لخديجة التى تحمل له كل معانى الرجولة والجمال، أعطته خديجة قيادها طائعة مطيعة ! وزاد وضعه إشراقا فى مكة فقد أغناه الله بهذا الزواج وكان أهل مكة ينظرون إليه نظرة غبطة وإكبار، وكان فى شغل عن نظراتهم بما أسبغه الله عليه من فضله وبما يبشره به خصب خديجة من عقب صالح ، لكن ذلك لم يصرفه عن الاختلاط بهم والأخذ معهم بنصيب فى الحياة العامة على ما كان يفعل من قبل بل زاده جاهاً بينهم ومكانه فزاد تواضعاً على جم تواضعه .
   فقد كان على عظيم ذكائه حسن الإصغاء إلى محدثه! لا يلوى عن أحد وجهه ويلتفت إليه بكل جسمه !وكان قليل الكلام كثير الإنصات! ميالاً للجد من القول ولا يقول إلا حقاً واسع الصدر وهذه الصفات فيه تجعل من رآه و خالطه يحبه كما أحبه أبوبكر .
   بدأ محمد بن عبد الله مع خديجة بنت خويلد صفحة جديدة من صفحات الحياة فبادلها من جانبه حب شاب فى الخامسة والعشرين لم يعرف الحب الأهوج الذى يبدأ كالشعلة المتوهجة لينطفىء بعد ذلك سراجه! فرزقه الله منها الولد القاسم الذى لقب به وعبد الله الذى لحق بجده الذى سمى باسمه ، فلما مات الولد تألمت خديجة لأجله، ولكن محمد الزوج الوحيد اليتيم سارع بنفسه ليواسيها ويخفف عنها! فهى تعلم أنه يتيم يتمنى الولد ليشد من أزره وليخلد ذكراه من بعده ولكنه هو الذى واساها بكل ما يملك من حب وعاطفة وحنان! ثم أنجبت له بنتاً سماها زينب ثم تبعتها بثلاث أخريات أكمل تسميتهن رقية وأم كلثوم وختمهن بفاطمة ! فى وقت كان وأد البنات شرعاً معمولاً به ولكن محمد صاحب العقل الكبير والفكر الناضج والقلب الرحيم فرح ببناته أكثر من فرح القرشيين بأولادهم ! ليضرب لقريش المثل والقدوة العملية! فهو اليتيم بلا أخ أو أخت ينجب أربعاً من البنات وتظهر على وجهه الجميل علامات الرضا والشكر للوهاب !ويتعلق بزوجته الكاملة أكثر من ذى قبل! ولم يفكر يوماً أن يتزوج بأخرى لتنجب له الولد ولو فعل ما لامه أحد من أهلها أو أهله!ولكنه لم يفعل ولم ينذر نذراً لو جاء له الولد بل حمد الله وكأنه فى برج سامق وأهل مكة دونه بقرون .
بنات أربع :
   إن النفس البشرية تشتاق دائما لتخليد ذكراها والصورة الأسمى لتخليد الذكرى.. الولد .. ففى كل الحضارات وعلى مر العصور الابن الصورة الحية لتخليد ذكرى الأب .
   فلم يسمع الناس أن يضحى أب بابنه ويتركه يموت وهو قادر على إنقاذه لأنه رمز وجوده فى الحياة ، قد يقتل الإبن أباه ليعتلى عرش الملك أو الإمارة! ولكن لم نسمع أبداً عن أب قتل إبنه ليعتلى العرش أو ليفتدى به آخرين! يضحى الأب بنفسه وحياته لانقاذ ابنه ! لأن الإبن امتداد أبيه وليس العكس وفى مكة يفتخر الناس بأبنائهم الذكور دون البنات! .
  وها هو محمد اليتيم الوحيد تلد له زوجته أربع بنات! فكيف كان شعوره وقد امتلأ عليه البيت بالبنات ؟!.   
  لم تذكر أياً من بناته يوماً أنه كان يسىء معاملتهن أو يعنفهن! ولم يذكر أى انسان في مكة ذلك حتى أشد الناس عداوة له بعد البعثة ! وهذا يعطى الانسان الدرس الكبير فى معاملة الأبناء ذكوراً كانوا أم إناثاً ، فلا شىء يخفى على الناس بمكة من سلوك محمد فى بيته أو فى تجارته أو فى صداقته بأبى بكر ، وأصبحت زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة من الأسماء الخالدة خلود الزمان أكثر من رجال ولدن معهن بمكة ورحلوا وكأنهم نسياً منسيا .
 السيد و خادمه :
  كانت السيدة خديجة تشعر أن زوجها فى حاجة لعبد يلازمه ولأنه ليس سيداً عادياً فلابد له من عبد أو غلام ليس بعادى! فهل تتميز العبيد ؟!.
   و لم لا ؟! فالعبد انسان حرمته الحياة والظروف من الحرية لأى سبب وما أكثر الأسباب المنتشرة فى الجزيرة العربية وفارس والروم ؟!.
   فالحروب مستمرة بين القبائل ، والحروب مستمرة بين فارس والروم ، والخطف والنهب والسلب ينتشر فى ربوع الجزيرة! هذه الحروب هى الشريان الرئيسى لسوق الرقيق! فالحر اليوم قد يصبح عبداً غداً ! هجوم على قافلة أو عدوان على قبيلة أو هزيمة جيش كفيله بإمداد سوق الرقيق بالكثير من الإماء والعبيد وكان الغلام على موعد مع القدر! فقد هاجم قطاع الطريق القافلة وخطفوه مع من اختطف وبيع الغلام فى سوق الرقيق حتى استقر الأمر عند السيدة خديجة فأهدته لزوجها ففرح بهدية زوجته وتلقاه بوجه بشوش فأنس وحشة الغلام الذى شعر أنه لم يختطف ليصبح عبداً بل شعر أنه أصبح سيداً؟! .
   فهذا السيد الجليل ليس كباقى سادة قريش الذى يراهم فى الطرقات أو عند المسجد الحرام فهو يشعر كأنه أبوه ! ففرح به فرحاً كبيراً وتفانى فى خدمته والقرب منه حتى استقر اسمه فى النهاية على زيد بن محمد .

            وإلي اللقاء في الحلقة التاسعة

الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
 رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977
  
طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

1430هـ - 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق