* سيد مكه ونذره
فى قلب الجزيرة العربية تعيش قبيلة قريش سيدة القبائل فى مكة بجوار البيت الذى رفع ابراهيم واسماعيل عليهما السلام قواعده ، وفى مكة التناقضات الفظيعة فتجد الغنى الفاحش والفقر المدقع ، تجد سليل الشرف والعبيد ، تجد الفارس المقدام والجبان ، الزاهد والمتكالب ، الظالم والعادل ، السادة والعبيد ! حتى ترى الكعبة بيت الله الحرام وبجوارها أصناماً تعبد من دون الله صنعها البشر ثم عبدوها !.
الرجل يدفن ابنته حية وأطلقوا على هذه العملية وأد البنات! يأخذ الأب ابنته الصغيرة معه ويحفر حفرة وعندما يتناثر التراب على وجهه تمسحه ابنته الصغيرة فى براءة الأطفال! وبعد أن يكمل الأب حفر القبر يمد يده لابنته فاتحاً ذراعيه فترتمى الابنة فى أحضان أبيها فى لهفة وتقبله فإذا به يلقيها تحت قدميه ويهيل عليها التراب ويخرج ليكمل وأدها ! ثم يعود إلى بيته يأكل ويشرب وينام مع إمرأته وكأن شيئاً لم يحدث ولا يسأل نفسه :
لولا أمه ما رأي هذه الدنيا ؟!.
ولكن السؤال لا يخرج لأن التفكير مريض والنفوس مظلمة والإرادة مسلوبة .
وعندما يموت الرجل وله ثلاث نساء أو أكثر ويتم توزيع الإرث يأخذ الابن زوجة أبيه وكأنها جزء من الميراث! بل يتزوجها وينجب منها ! هكذا يتقاسم الأبناء زوجات أبيهم كالأنعام ! وينتشر الزنا وتتعدد صنوفه وأراد البعض أن يضفى عليه شيئاً من المشروعية فصنفوه زواجاً ! وهل يعقل أن يتزوج ثلاث رجال إمراة واحدة فإذا أنجبت ولداً تنسبه إلى من تشاء منهم بلا أدنى اعتراض ؟!ولم لا ؟! فقد اتفقوا على ذلك قبل الزنا الجماعى ؟!.
ظلام مادى و فكرى و نفسى! ظلام مركب لا يطيقه عاقل ولا يحتمله دقيقة واحدة! ويتساءل الناس متى تشرق الشمس ؟! متى ينتشر العدل فيطبق القانون على الجميع ؟! إن الحد يطبق على الضعيف أما الشريف فيتم العفو عنه بألف تبرير وتبرير وانتشر الأمر وفى انتشاره أقوى دليل على الظلم والظلام! .
أراد الله أن تعيش قريشاً أحداثا رهيبة حتى تنتعش ذاكرة أهلها رجالاً كانوا أم نساءً! أراد الله أن يجهز ذاكرة الأحياء صغاراً وكباراً ليرددوا الحدث!.
فها هو عبد المطلب بن هاشم سيد قريش متجهاً نحو الكعبة ومعه ابنه عبد الله وإخوته فتساءل الجالسون من رجالات قريش فيما بينهم :
- إلى أين ذاهب عبد المطلب بابنه ؟
فيرد آخر قائلا :
- يريد أن يفى بنذره بذبح أحد أبنائه اذا بلغوا عشرة يحمون ظهره!
يهب الرجال واقفين متجهين نحو عبد المطلب بسرعة !
- على رسلك سيد قريش .
- هل جربتم علىّ أن خلفت وعدى لأحدكم ؟!
- لا .. لم نجرب
- فكيف تريدوننى أن أخلف وعدى للآلهة ؟
- ولكنه ابنك عبد الله؟
- وأنا عبد المطلب بن هاشم !
قالها عبد المطلب مفتخراً بنفسه ولكنهم لم يتركوه
- إنك إن تفعلها تكن سنة فينا .. فنهلك
قالوها وبدأوا يفاوضونه حتي ذهب إلى عرافة لتنقذه من هذا المأزق- الوفاء بالنذر- وانقاذ ابنه من الذبح! فحكمت لهم العرافة بضرب القداح بينه وبين الإبل حتى يخرج السهم على الإبل ! فظلوا يضربون القداح حتي بلغت مائة! ففداه عبد المطلب وأحل نفسه من النذر ليصبح عبد الله بن عبد المطلب أول عربى يفدى بمائة من الإبل! لتظل الحادثة والفداء فى ذاكرة أهل مكة ويختار عبد المطلب عروسا لابنه عبد الله بعد فدائه من بنى النجار اسمها آمنة ويقترن هو بقريبتها ليتزوج الأب وابنه من نفس القبيلة فى وقت واحد .
ويذكر أهل مكة أن امرأة كانت تجلس فى الطرقات وتعترض طريق عبد الله كلما غدا عليها أو راح وتعرض نفسها عليه ليتزوجها! وبعد زفافه على آمنة لم تعترضه فسألها فقالت:
- لقد ذهب النور الذى كان يضىء وجهك !.
*****
إلي اللقاء في الحلقة الثالثة
الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977
طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق