( الحلقة العاشرة )
* طريق النور :
إذا أردت أن تفكر بعمق تذهب بعيداً عن البشر الذين
تعرفهم و أيضاً من لا تعرفهم ! ترحل بعيداً جسداً وروحاً لتفكر وتتساءل وتبحث عن إجابة
شافية لأسئلتك الكثيرة المتشابكة .
فعلها أبوالأنبياء إبراهيم عليه السلام وهو
ينظر إلى الكون ليلاً ونهاراً ليرى الشمس والقمر والنجوم ، كان يبحث عن الحقيقة
المطلقة فى الوجود وعندما احتار عقله البشرى فى الأمر هداه الله إلى الحقيقة
المطلقة بلا منازع ! إنه الله ربى .. هكذا آمن ابراهيم عليه السلام بعد انفراده
بنفسه أمام آيات الله فى الكون ..
وما من مفكر أو مصلح إلا ويهوى الانفراد
والعزلة بعض الأوقات ، وكلما اشتدت عليه الأيام يذهب بعيداً وحيداً ليجلس أمام
البحر أو فوق قمة جبل! وها هو محمد بن عبد الله صاحب النفس السامية يهوى الإنعزال
لبعض الوقت ولكن في غار حراء فوق الجبل ليطل على السماء والأرض بعيداً عن البشر
ليطير بفكره فى رحاب السماء وفى الآفاق ليرى آيات الله الخالق فى الكون .
لم
يأخذ معه كتاباً من كتب الأولين ليقرأه فقد كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب! ولم يأخذ
معه غلاماً أو شيخاً ليقص عليه أساطير الأولين ! بل كان يذهب بمفرده والعجيب فى الأمر
أن مكة كلها كانت تعرف هذا الأمر وتعلمه علم اليقين !.
لأن هذا الأمر كان يتكرر كل فترة ! ولو لم تكن
تعرف مكة ذلك لقالت بأنه كان يذهب إلى صوامع الرهبان أو يقرأ كتب الأولين أو يستمع
إلى رواة الأساطير ! ولكن أياً من مكة لم يقل أبداً أن محمداً كان يختفى ليذهب لأى
جهة أخرى غير غار حراء ! إنها الحقيقة المستقرة فى وجدانهم جميعاً ! أن الصادق الأمين
إنما يذهب إلى غار حراء بمفرده ليتأمل فى ملكوت السموات والأرض بعيداً عن البشر !.
يتجلى فى هذا الموقف روعة وكمال السيدة خديجة ،
فلم تعترض يوماً على ذهابه إلى خلوته بغار حراء لأيام وليال متتالية بعيداً عنها ،
ولم يدر بخلدها يوماً بل للحظة واحدة إنه قد يكون متزوجاً من أخرى ويذهب إليها
بعيداً عن العيون وهو فى الثلاثينيات من عمره وهى فى الخمسينيات من عمرها ! فلم
تشعر بقلق أو بغيرة حقيقية أو مفتعلة ! إنها روعة السيدة خديجة وكمال عقلها وثقتها
فى زوجها وحبيبها ووالد بناتها! إنها الثقة المطلقة بين زوجة رائعة وزوج عظيم! إنها
روعة النفوس وعظمتها ، وقد تجسدت فى خديجة بنت خويلد ومحمد بن عبد الله ، وعجيب أنه
لم ينطق أى انسان بأن محمد بن عبد الله مل خديجة ويهرب إلى الغار فاراً منها! ومن
العجيب ألا يذهب أى من رجالات مكة الذين حسدوه على زواجه من خديجة ليوقع بينهما
فيتفرقا ويتزوجها هو ليفوز بمالها !.
إن عدم حدوث أى شىء من هذا القبيل ليصور لنا
عظمة محمد بن عبد الله فى نفوس أهل مكة ،ويوضح لنا مدى يقين أهل مكة بثقة خديجة فى
زوجها وإيمانها بعظمته وسموه .
إن هذه الأحداث التى تبدو عادية لكثير من
البشر تحتاج إلى مجلدات لتفسيرها من جميع مناحى العلوم النفسية والاجتماعية
والانسانية والفكرية .
إن كل حدث مهما صغر شأنه أو قلت فترته لهو
الحدث الجلل عندما نضعه تحت مجهر التحليل والتفسير ! خاصة وأن حياة محمد لم تكن
تخفى عن أهل مكة كبيرهم وصغيرهم ، ذكرهم وأنثاهم ، سادتهم وعبيدهم ويكاد يكون هو
الانسان الوحيد الذى عرف عنه كل شىء فى بيته وخارج بيته! بين أصحابه وبين أقاربه!
بين أحبابه وبين أعدائه ! كأنه كتاب مفتوح لمن يريد أن يتفحصه وقتما شاء كيفما شاء
أينما شاء ؟!.
وإلي اللقاء في الحلقة الحادية عشر
الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977
طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
1430هـ - 2009

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق