الثلاثاء، 11 مارس 2025

كتاب ( ومضات نورانية ) الحلقة ( ١٥ )




                  ( الحلقة ١٥) 
 اسلام عمر :
   كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مستمراً فى دعوته وكلما اشتد تعذيب المستضعفين من المسلمين يأتيهم أملاً يقوى عزيمتهم ! جادلت قريش أبو طالب فى أمر ابن أخيه وحاولوا معه فتحدث مع ابن أخيه وبعدها أعلن دعمه الكامل له بل ودعا بنى هاشم وبنى المطلب لنصرته فنصروه ! عندها أيقنت قريش أن الحوار مع أبى طالب لم يعد ذا جدوى فبدأوا يضطهدون رسول الله حتى سبه أبوجهل فأذاه أذى شديداً فجاءه الرد قاسياً من عمه الحمزة وكان رداً مؤلماً يحمل التحدى والقوة بل وإشهار إسلامه ! فتحول أهل مكة لإيذاء المستضعفين من المسلمين وقتلوا منهم سمية - أم عمار– وأمعنوا فى تعذيبهم فكان أبوبكر يشترى منهم من يشتريه ثم يعتقه لوجه الله !.
  اشتد الأذى فجاء الرد لقريش على لسان عمر بن الخطاب ليحيل نهار قريش سواداً ! فبعد أن خرج متوشحاً سيفه ليقتل محمداً كما يقول اتجه لبيت أخته فاطمة بنت الخطاب وحدث ما حدث بينه من ناحية وبينها و زوجها من ناحية أخري! وخروجه من عندهما ليذهب إلى رسول الله فيرتعد أصحاب النبى عندما علموا أن عمر على الباب ! ولكن الحمزة بن عبد المطلب يقول كلمة الفارس صاحب الشكيمة.. إن جاء يريد خيراً بذلناه له وان أراد شراً قتلناه بسيفه ! سمع النبى كلمة الحمزة فنهض بعد أن أذن لعمر بالدخول حتى لقيه بالحجرة وحمزة خلفه على أهبة الاستعداد ليفعل معه مثلما فعله مع خاله أبوجهل ! ولكن الرسول أخذ بمجمع رداء عمر وجذبه جذبة شديدة قائلاً (ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ فوالله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة!) فقال عمر : يا رسول الله جئتك لأؤمن بالله ورسوله وبما نزل من عند الله! فكبر الرسول ففرحوا فرحاً شديداً! فها هو عمر بن الخطاب ينضم إلى قافلة النور ليشكل مع حمزة بن عبد المطلب ثنائياً عظيماً فيقوى بهما المسلمون ولم لا ؟! فالميمنة والميسرة لعمر والحمزة والقلب للرسول الكريم وصاحبه أبوبكر .
*   الحصار :
   زادت قريش من عدائها لمحمد وأصحابه ولكن الأمر بدا وكأنه يخرج من يدها شيئاً فشيئاً! فقد هاجر بعض المسلمين إلى الحبشة ودخلوا فى حماية النجاشى وفشلت محاولات قريش فى استعادتهم! وكان على رأس المهاجرين إلى الحبشة جعفر بن أبى طالب وأمرأته أسماء بنت عميس التى ولدت له بالحبشة عبد الله بن جعفر ، وعثمان بن عفان وامرأته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعبيد الله بن جحش ابن عمة رسول الله وزوجه أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ومعهم بضعاً وسبعين رجلاً وإمرأة من المسلمين .
   ومن بقى فى مكة مع النبى صلى الله عليه وسلم شعر ببعض الأمن والأمان! ولم لا وعمر و الحمزة من أشداء قريش! كل هذا ساعد علي نشرالإسلام بين القبائل! فاجتمعت قريش وتآمروا ليكتبوا أول صحيفة حصار فى التاريخ ! قرروا حصار بنى هاشم وبنى المطلب الذين أيدوا محمد بن عبد الله بعد دعوة أبوطالب لهم بأن يدافعوا عن ابن أخيهم! كان هذا الحصار أقسى حصار عرفه التاريخ حتى اليوم! كان حصاراً إجتماعياً فلا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ! وحصاراً اقتصادياً فلا يبيعونهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم! وكان حصاراً سياسياً فقد كتبوه فى صحيفة وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك ! ثم إزداد حصارهم بأن جعلوه حصاراً معنوياً فعلقوا الصحيفة فى جوف الكعبة وما للكعبة من مكانة وقدسية فى نفوس قريش والعرب! حصار لم يسبقه حصار مثله ولم يشبهه حصار حتى اليوم!.
   فماذا كان رد بنو هاشم وبنو المطلب ؟!.
   لو كانوا هذه الأيام لخرجت النساء فى مظاهرات يطالبن بالتخلى عن محمد بن عبد الله وإلا سيصبن بالعنوسة ! ولخرج رجال الأعمال والأغنياء يتوسلون للقوة المحاصرة ويخونوا محمداً صلى الله عليه وسلم ! ولخرج الفقراء يبيعون محمداً ويسلمونه لمن حاصروهم ! ولقال كبار السن أنكم لستم فى موقف قوة بل فى موقف ضعف فالعالم كله – وهو هنا قريش – ضدكم فماذا نفعل أمام العالم كله ؟! لن نستطيع أن نهزمهم !.
   لو كنا نحن لكتبنا وثيقة الإستسلام يوم كتبوا قرار الحصار ولباركها الجميع وامتدحوا ولاة الأمور وحكمتهم فى تسيير أمور البلاد والعباد ! ولكن هذا لم يحدث !.
   بل انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه – طواعية – فى شعبه فاجتمعوا إليه ، وأغلبهم على دين آبائه ! وأقليتهم على دين محمد صلى الله عليه وسلم! لقد اختلفت العقيدة واتفق الهدف بعدم الإذعان بل وقبول التحدى مع قريش! وانشق أبو لهب عن الجماعة فخرج من الحصار وانضم إلى قريش! ليضرب مثالاً للخيانة والغدر والنفاق فى كل الأزمنة والعصور ! ولا يفوتنى أن أسجل الإعجاب المتناهى بالسيدة خديجة رضى الله عنها التى دخلت مع زوجها شعب أبى طالب ولم تتخلى عنه بأى حجة ! لتعطى نساء العالمين درساً فى الولاء والوفاء والإيمان ولتخبر البشرية جمعاء أن للمرأة فى الإسلام مكانة متميزة بإسلامها وإيمانها ووفائها وقوة عقيدتها وليس فى معصية الله !.
   ولعل كلمة سعد بن أبى وقاص عن الحصار عندما قال أنه اشتد به الجوع يوماً وهو مع النبى فى شعب أبوطالب حتى أخذ يبحث عن شىء يأكله – حتي كانوا يأكلون أوراق الشجر – حتى وجد شيئاً رطباً فتناوله فأكله ولا يعلم ما هو حتى يوم حديثه ! وللإنسان أن يتخيل ماذا يمكن أن يكون هذا الشىء الرطب وسط هذا الحصار ؟!.
   لقد أعطى هذا الحصار للمسلمين درساً عظيماً فقد توحدت القلوب رغم أنها لم تكن كلها على عقيدة واحدة ! وزاد تحديهم ولم يستسلموا لطلبات قريش! ولكن هذه الأيام ما أن تشعر دولة من الدول أن الحصار النوعى - اقتصادى أو عسكرى- سيفرض عليها حتى تخرج المظاهرات تطالب باستقالة الحاكم أو تلبية طلبات القوى المحاصرة مهما كان الثمن ! وإن كان هناك من يختلف فى العقيدة يحاولون النجاة بأنفسهم دون الباقين! ولكن بنو هاشم وبنو المطلب سجلوا بأحرف من نور قمة الصمود والتحدى والصبر أمام جبروت قريش وطغيانها فكان النصر بعد ما يقرب من ثلاث سنوات ليخرج النبى محمد أقوى مما كان ويذيع صيته أكثر بين القبائل.

              وإلي اللقاء في الحلقة ( ١٦ )

الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
 رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977
  
طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

                             1430هـ - 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق