الثلاثاء، 18 مارس 2025

من كتابي (ومضات نورانية)الحلقة19)



                                                                                 الحلقة (19)

 الهجرة والتقويم الهجرى :
    هاجر المسلمون إلى يثرب حيث عرفوا صدق إيمان أهلها وحسن صنيعهم مع من سبقوهم من المسلمين حتى لم يبق بمكة غير النبى صلى الله عليه وسلم وأبوبكر رضى الله عنه وعلياً ، وبعض الموالى، وآخرين ممن قدر عليهم أهلهم فمنعوهم من الهجرة!وأيضا ممن كتم إسلامه فلم يجهر به!.
   كان أبوبكر يشتاق للهجرة والرسول يطلب منه التريث لعل الله يجعل له صاحباً!وعلي بن أبي طالب رهن إشارة النبى فلا يمكن أن يهاجر قبل أن يأذن له الرسول!وهكذا تسير الأقدار دائماً نحو الأفضل للانسان وهو لا يدرى! .
   شعر أهل مكة أن محمد بن عبد الله تقوى شوكته بعد أن أصبح أصحابه بيثرب فى منعة منهم ، وأصبح الأمر كأنهم ينتظرون خروج الرسول إليهم!خشى أهل مكة أن يخرج محمد إليهم فيقوى أمره فيعود إليهم محارباً فاتفقوا على قتله!.
   كان النبى فى انتظار الإذن الإلهى بالهجرة والخروج من مكة فأعد العدة وجهز كل شىء  وهو عبد الله ورسوله الذى يعلم جيداً أن الله قادر على حمايته!وهو الذى سخر له البراق فى رحلة الإسراء والمعراج فى مسافة أبعد من مكة إلى يثرب!ولكنه الدرس النبوى لبنى الانسان عامة وللمسلمين خاصة .
  رفيق الرحلة أبوبكر الصديق.. ويتبعهما مولاه عامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله بن أريقط المشرك!وراحلتهما يجهزهما أبوبكر منذ فترة ، أما علىّ  فعليه دور بمكة ، حامل الأخبار عبد الله بن أبى بكر وحاملة الطعام أسماء بنت أبى بكر!كان أبوبكر الوحيد الذى يمكن أن يصطحبه النبى فى رحلته!نقول هذا الكلام بعد مرور خمسة عشر قرنا من الزمان! .
   لكن أن يفعله النبى فى وقته فهى قمة الشفافية الانسانية!لأن أبا بكر الوحيد الذى ثبت عندما اهتز الناس يوم حديث الإسراء والمعراج !بل وقف موقفاً نال عليه أعظم لقب فى حياته.. الصديق!وهو أكثر الناس فى مكة معرفة بأنساب العرب!والرحلة طويلة ولابد أنه سيلقى بعض الناس!كما أنه الوحيد الذى يحب النبى أكثر من نفسه!إنه أول من آمن من الرجال ألا يكفى ذلك؟! أى أنه أول رجل أمنه الرسول على سره ودعوته فيستحق أن يكون صاحب النبى فى رحلة خروجه من مكة وهجرته لينال فى رحلته تلك شرفا ومكانة تتلى قرآناً إلى يوم القيامة (اذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين .اذ هما فى الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) هكذا نال لقب صاحب النبى!وكأن لا صاحب للنبى غيره!ويكرمه النبى عندما يقول له (إن الله معنا ) فقد جمع الله بين النبى و أبى بكر فى معيته فى الوقت الذى قال فيه موسى عليه السلام لبنى اسرائيل (إن معى ربى سيهدين)!.
  فارق كبير ليس بين الأنبياء فقد (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)!بل الفارق فى الطرف الآخر وأيما فارق؟!إنه أبوبكر الصديق والآخرون بنو اسرائيل! الأول استحق أن يكون فى معية الله أما الآخرون فقد استبعدهم نبيهم من تلك المعية! إنه الإيمان المطلق والحب اللا محدود والصدق الصدوق فاستحق أبوبكر لقب الصديق من النبى ولقب صاحبه من رب النبى !.
   عندما يسيران على أقدامهما تارة يمشى على يمينه وتارة على يساره وأخرى أمامه ومرة خلفه ! وعندما يستفسر النبى عن السبب فيجيبه قائلاً "أتخيل أن يأتيك الطلب من يمينك فأسير فى اليمين وأظنه يأتيك من شمالك فأسير فى اليسار أو من أمامك أو من خلفك ، فأتلقاه عنك يا رسول الله فإن مت أنا فأنا فرد أما أنت فأمة " هكذا استحق أبوبكر أن يكون صاحب النبى فى رحلة الهجرة!.
  أما علىّ بن أبى طالب فله دور يناسب عمره ومكانته عند أهل مكة!فلابد أن ينام شخص فى فراش النبى ويتدثر بدثارة!فإذا نظر المتآمرون على النائم ظنوه محمداً فيستقرون فى أماكنهم!فإذا اكتشفوا فى الصباح أن النائم علىّ بن أبى طالب لم يقو أحدهم على ضربه لمكانة أبيه الراحل وأيضا لصغر سنه!لم يكن من المعقول أن ينام شخص من غير آل النبى فى فراشه حتي يطمئن أهل مكة أن ودائعهم عند محمد سيردها إليهم دون نقص أو تسويف.
  عظمة الشخصية ومكانتها فى النفوس حتى بين المشركين من أهل مكة!فرغم حربهم ضد دعوته لم تمنعهم من إيداع أماناتهم عنده ولم تمنعه من قبول ودائعهم! لم يخطر لحظة ببال أحدهم أن يغدر بهم ولا يرد لهم أماناتهم حتى لو حاربوه جميعا ! حتى لو أعدوا العدة وبيتوا النية لقتله ! وهو لم يخيب ظنهم به! فلابد أن يترك من يؤدى الأمانات لأصحابها ولابد أن يكون من آل محمد.
   بقى شىء واحد...أن الشخص الذى يقبل أن ينام فى فراش النبى ويعلم أن عمره قد يكون الثمن!لابد أن يكون على قدر من الشجاعة ورباطة الجأش وألا يكون حاملاً سيفاً فيثور الدم فى عروقه فيقتتل مع المتآمرين فيقتل قبل أن يؤدى الأمانات لأهلها!إذن لقد استبقاه النبى بمكة ولم يستبق الحمزة! فلكل مناسبة فارسها وفارس هذه المناسبة علىّ بن أبى طالب بلا منازع .
  أما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر ليخدمهما فى الرحلة!ولا يمكن لأبى بكر أن يأتمن على النبى مولى آخر!فقد ربى عامراً وكفله ورعاه ويعلم مدى حبه له وللنبى وأنه خير من يخدمهما و ليمحو أثر أقدام عبد الله بن أبى بكر وأسماء بنت أبى بكر عند قدومهما ورحيلهما إلى ومن غار ثور .
  أما الدليل عبد الله بن أريقط - كان مشركاً- فهو يعطينا درساً فى التخطيط!فدليل رحلة محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة العواقب لابد وأن يكون من الكفاءة والخبرة بمكان وأن يكون من أفضل الأدلة إن لم يكن أفضلهم جميعا حتى لو كان مشركاً!خاصة فى عدم وجود دليل من المسلمين بنفس الكفاءة!
وهنا دروس كثيرة.
  فمن يستحق مكاناً لابد أن يحمل مؤهلاته وخبراته على يديه لا أن يحمل هدية أو بطاقة من فلان ! أو لأنه على نفس العقيدة أو اللون أو الجنس إنه درس إدارى رائع ! .
 تصور أن هناك أعلاناً عن وظيفة معينة تقدم لها الكثير من الناس اختلفت ألوانهم وعقائدهم ومشاربهم ! وعندما عقدت لهم اختباراً وجدت أفضلهم من يختلف معك فى العقيدةً فعليك أن تختاره لأنه سيعطيك أفضل آداء وبالتالى نجاح المكان فى خدمة المجتمع وهذا أسمى هدف لأى مسئول! وأيضا هل وجد النبى دليلاً مسلماً بنفس كفاءة عبد الله بن أريقط وتركه ؟! لا لم يحدث ولو كان موجوداً لاستعان به النبى دون تردد!ولماذا استعان النبى بمشرك فى رحلة خروجه من مكة وهجرته ؟ هل استعان به ليظلم الآخرين حتى لو كانوا مشركين ؟! بل استعان به ليخرج من مكة سالماً ويصل إلى يثرب بلا مشاكل وبلا قتال !.
  نقول ذلك لأننا نرى المنافقين من أمة الإسلام يستعينون بالمشركين والمحتلين على إخوانهم من المسلمين ويتعللون بعلل دنيوية واهية! وترى من العلماء من باع دينه بدنياه فيقنع عامة الناس والدهماء بشرعية الإستعانة بالمشركين على المسلمين ويذكرون بالتحديد موقف النبى فى الهجرة بالاستعانة بدليل مشرك! .
  أما عبد الله بن أبى بكر وأخته أسماء فكان لابد أن يقف الرسول على آخر تطورات الأحداث والأخبار عما يدور بمكة عقب خروجه منها ليسبق الأحداث ويضع التصور المناسب لكل معلومة أو حدث! ليعطينا درساً كبيراً فى السعى نحو المعرفة بما يدور حولنا فى السلم أو فى الحرب لنعرف إلى أين نسير وكيف يجب أن نسير وما هى أفضل الطرق لمواجهة المستقبل ؟!ولا نعتمد على شىء آخر يقودنا إلى الكسل والتواكل فيسبقنا الآخرون ويسيطرون على الموقف فنكون نحن خارجه بكل جدارة!واختيار الشخص الذى يجمع الأخبار ويعيش الأحداث ثم ينقلها من الصعوبة بمكان! فيجب أن نثق فيه بدرجة مطمئنة أنه لن يعمل لمصلحة الطرفين أو بلغة الجاسوسية عميلاً مزدوجاً ! كما إنه يجب أن يكون ذا رأى وذكاء ليعلم ما الذى يجب أن يعرفه لينقله ؟! فلا يترك حدثاً هاماً مهما كان صغيراً ويهتم بحدث تافه مهما بلغت ضجته!كما يجب أن يتمتع بشىء من الذكاء فى المحاورة والمداراة حتى لا ينكشف أمره أو يترك أثراً خلفه فيضيع مع من يحاول مساعدتهم! عبد الله بن أبى بكر هو الشخص المناسب  رغم أن أخاه الأكبر عبدالرحمن كان مشركاً ذلك الوقت !.
   أما من يحمل الطعام فلم يعد هناك بد من أن تكون إحدى بنات أبى بكر أسماء أو عائشة . أما عائشة فكانت صغيرة السن! فى الوقت الذى تتميز فيه أسماء بالبأس والجلد والقوة النفسية والشجاعة وحسن التصرف! فكانت تحمل إليهم الزاد إلى الغار وعندما احتارت فيما تحمله شقت نطاقها نصفين أحدهما تمنطقت به والآخر علقت به السفرة فنالت لقباً غالياً وسميت بذات النطاقين! لم يرهبها أبوجهل عندما وقف مع نفر من قريش على الباب ليسألها عن أبيها!لم تهتز ولم ترتعش رغم علمها بفحشه وسطوته فلم تخبره بل اشتدت عليه فلطمها لطمة قوية طرحت منها قرطها ثم انصرف! لم تبك مما يدل على شدة بأسها وقوتها النفسية! لتعطى المرأة درساً وتدحض كل افتراء على عنصرية الإسلام وعدائه للمرأة! فها هى أخطر رحلة لرسول الله وتمده بالزاد فتاة حتى ولو كانت ابنة صاحبه فهى فتاة! .
  إننا الآن لم نر حدثاً كبيراً فى حياة النبى إلا وللمرأة دور فيه منذ آمنت به السيدة خديجة لتصبح أول من آمن بنبوته!ومنذ أن نالت سمية أم عمار الشهادة فى سبيل الله لتصبح أول شهيد فى الإسلام!ومنذ أن رجته أم هانئ هند بنت أبى طالب ألا يحدث الناس بإسرائه إلى بيت المقدس حتى لا يكذبونه لتصبح أول من علم برحلة الإسراء والمعراج ! وعندما بايعه الأنصار بيعة العقبة الكبرى التى مهدت للهجرة بايعته أم عمارة نسيبة بنت كعب ورفيقتها ! والآن ها هى أخطر رحلة فى تاريخ الاسلام! رحلة الخروج من مكة والهجرة فتحمل إليه الزاد فتاة دون العشرين وهى أسماء بنت أبى بكر ذات النطاقين ،كانت الهجرة فى أواخر شهر صفر وليست فى غرة المحرم كما يحتفل المسلمون هذه الأيام! فاختلف التقويم الهجرى عن وقت الهجرة الحقيقى ولهذا قصة! .
  فعندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة وبدأ يكتب إلى أمرائه باليوم والشهر، ونظراً لطول المسافات بدأت الحيرة تبدو على الأمراء أى عام هذا الكتاب؟! ونقلوا حيرتهم إلى أمير المؤمنين الذى بدأ يشاور كبار الصحابة فى وضع تقويم وتبلورت الآراء فى النهاية إلى رأيين لا ثالث لهما! أولهما كان رأى عثمان وعلىّ بأن يبدأ التقويم بعام هجرة الرسول لما لها من قيمة عظيمة فى الحياة الإسلامية والرأى الثانى أن يبدأ التقويم بسنة وفاة الرسول ورجح أمير المؤمنين رأى عثمان وعلىّ لما للهجرة من عظيم الأثر فى الحياة الاسلامية واستبعد الرأى الآخر لما له من ذكرى أليمة فى النفوس! وهكذا أعطانا أمير المؤمنين درساً عملياً فى استبعاد الاحتفال بذكرى الأحزان لينفى كل ما يقوله أصحاب البدع من الاحتفال بذكرى استشهاد الحسين يوم عاشوراء ! ولن يدعى أى انسان أنه أفضل من عمر أو أكثر منه حبا للرسول وآل بيته ! فاستقر الرأى أن يبدأ التقويم بعام هجرة النبي للمدينة ،وأن يبدأ العام بشهر المحرم عقب عودة الحجاج من فريضتهم ليصبح شهر المحرم بداية العام الهجرى وليس شهر صفر الذى بدأت فيه رحلة الخروج والهجرة أو شهر ربيع الأول الذى وصل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لدار الهجرة .

          و إلي اللقاء في الحلقة( 20 )                                
الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
 رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977
  
طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

                              1430هـ - 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق