الحلقة( ١٧ )
و إلي اللقاء في الحلقة( ١٨ )
* رحلة الصدق والصديق
(الإسراء والمعراج):
كلما ضاقت الدنيا واشتدت أزماتها حول النبى يأتيه اليسر الذى يفوق الخيال البشرى ! فها هى قريش تزيد إيذائها للنبى بعد رحيل زوجته أم المؤمنين الأولى خديجة بنت خويلد رضى الله عنها ورحيل عمه الذي كان خير السند والمعين له رغم اختلاف عقيدتهما !.
شعرت قريش أنها انفردت بمحمد فتمادت فى إيذائه بينما أمره ينتشر بين القبائل ! خيم الحزن الشديد على نفس النبى فأرسل الله جبريل والبراق ! جبريل ليصحبه والبراق ليركبه فى رحلة اليقين الكبرى ! والتى بدأت بالإسراء من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس ثم تلاها العروج إلى السماوات العلا فى رحلة فوق عقل البشر وقتها وحتى اليوم! صلى خلالها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع الرسل والأنبياء ثم رأى البعض فى السماوات العلا حتي وصل إلى سدرة المنتهى حيث كلفه الله بالفريضة العظمى ألا وهى الصلاة المفروضة ثم عاد إلى الأرض من حيث عرج إلى السماء ثم عاد إلى مكة من حيث أسرى به! وحديث أم هانىء فى الإسراء له من المعانى الكبيرة!.
فهى هند بنت أبى طالب رضى الله عنها وما تعودنا على أحد من أبناء أبى طالب الكذب ولا من أبى طالب نفسه! فالكذب من صفات النفوس المريضة وكلنا يعلم من هم أبناء أبى طالب كما نعلم من هو أبو طالب نفسه؟! .
فعندما حدثها النبى صلى الله عليه وسلم بالإسراء والمعراج جاء ردها أنها ترجوه ألا يحدث الناس فيكذبوه ؟!.
هنا نري الفرق الواضح بين السيدة خديجة رضى الله عنها والسيدة أم هانيء!.
فالأولى زوجته الغنية ذات المال والدلال والحسب والنسب والتجارة عندما حدثها بما رأى من الملك فى أول الوحى طمأنته وشدت من أزره وقالت حكمتها العظيمة والله لن يضيعك الله أبدا .. ثقة ويقين حتى أنها أقسمت بالله !.
أما الثانية فهى أم هانىء ابنة عمه ، والتى علمت أنه رسول من الله وآمنت به ترجوه ألا يذيع شيئاً عن رحلة الإسراء والمعراج حتى لا يكذبه الناس !.
الأولى أحبته وأسلمت له قيادها طواعية وهى على يقين أنه الشخص الذى لا يفضله انسان فى مكة كلها وفضلته على رجالات قريش الكبار وهو فى الخامسة والعشرين من عمره فكان الحب والايمان واليقين محركاً عظيماً نحو انطلاق النور إلى الآفاق .
والثانية ابنة عمه التى آمنت به نبياً ورسولاً وتعلم أن مكة تزيد عداوتها كلما انتشرالإسلام فشعرت بالخوف عليه والخوف الشديد وهى تعلم كيف ستكذب قريش وكيف ستهزأ بالحادثة ؟! وكأنها تستعيد خوف أبيها عليه فأرادت أن تحميه وتمنعه!.
ولكنه تحدث إليها فى ثقة ويقين قائلا " والله لأحدثنهموه " لقد أقسم لها النبى صلى الله عليه وسلم أنه سيفعل مثلما أقسم لأبيها من قبل أنه لن يفرط فى الأمر! كان الخوف هو المحرك الأول لأم هانىء فأجابها النبى بما يبدد خوفها ويملأ قلبها بالإيمان والإطمئنان !.
بالطبع لابد أن تكذّب قريش الخبر وتهزأ منه! فهم يعلمون أن رحلة الصيف إلى الشام تستغرق شهوراً ذهاباً وإياباً فيأتى محمد ليخبرهم أنه ذهب وعاد ! بل وعرج إلى السماء ثم عاد إلى الأرض ومن ثم إلي مكة فى جزء من الليل !.
قد يقبل العقل البشرى هذه الأيام – من غير المسلمين بالطبع! – هذه القصة فنحن نرى مكوك الفضاء يذهب ويعود والهاتف المحمول يرسل ويستقبل من أقصى الأرض إلى أقصاها! ولكن أن يعود التاريخ نحو خمسة عشر قرناً من الزمان إلى الوراء فلا يمكن أن يقبلها العقل البشرى من غير المسلمين! بل لقد اهتز بعض المسلمين وترددوا فى قبول القصة! .
ولكن ماذا سيحدث لو لم يصدق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ؟ إذن ستهتز الأرض تحت قدميه فى مكة والجزيرة العربية وسينتظر القدرة الإلهية لنصرته لأن الله سبحانه وتعإلى تعهد بنصر رسله .
ولكن هيهات ياأهل مكة ! هيهات يا أصحاب النبى ! إنها رحلة اليقين والصدق فهى تحتاج لإنسان على يقين تام و ليس أى انسان ! بل انسان له مكانته عند قريش فإذا صدّق صمت الجميع واستعاد المسلمون يقينهم وإيمانهم برسولهم ! لقد كان القدر – كعادته – على موعد مع أبى بكر رضى الله عنه .
فلم يعرف الخبر إلا من المشركين الذين أسرعوا إليه فى بيته ليخبروه بما قاله محمد بن عبد الله! قد يقول قائل لماذا لم يذهب الرسول إلى أبى بكر أولا ؟! وأنا أتساءل لماذا يذهب إليه ؟! إنه نبى الله ورسوله الذى أسرى به وعرج به! إنه صاحب الحدث فليس فى حاجة ليخبر صاحبه أولا ! إنه الصادق الأمين قبل الوحى أفلا يكون الصادق الأمين بعد الوحى ؟! لو ذهب إليه قبل أن يقص على قريش ستكذبهما قريش سوياً فمن يشهد لمحمد بن عبد الله أكثر من صاحبه ؟!.
وبماذا سيجيبهم عندما يسألونه لماذا لم تقص علينا قبل الذهاب إلى أبى بكر ؟! لم يكن من المقبول أن يحدث غير ما حدث!.
أسرع الناس بعد أن اختفى أصحاب محمد عقب سماعهم الخبر إلى صاحبه فى بيته فقالوا له : هل لك يا أبا بكر فى صاحبك ؟! يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ثم رجع إلى مكة ؟!.
إذن ذهبوا ليسألوه عن تصديقه لرحلة الإسراء فقط دون المعراج وهم يأملون أن ينضم إليهم ويتخلى عن صاحبه ! وكأنهم نسوا أمرهم مع أبى طالب لما أرادوه أن يتخلى عن ابن أخيه فأعلن دعمه المطلق له بل ودعا بنى هاشم وبنى المطلب لنصرته ففعلوا وأغلبهم على دين آبائهم ! فما بالهم وهم الآن أمام أبى بكر؟!.
إن اليقين دائما ما يتثبت قبل أن يصدق أو يكذب ! فربما تكون خدعة منهم عليه للوقيعة بينه وبين صاحبه! وهو يعلم أنهم لا يتورعون عن فعل أى شىء فى حربهم ضد الرسول فقال لهم : أنكم تكذبون عليه ! فقالوا : ها هو ذاك فى المسجد يحدث به الناس! إذن لقد تأكد أبوبكر من الحدث وهو هنا يعطينا القدوة العظمى فى الإيمان بالرسول الكريم والعقل الراجح فى حديثه القصير معهم لتنطلق إجابة اليقين المطلق فقال :
- والله لئن كان قاله فقد صدق ! وأكمل تساؤله لهم فما يعجبكم من ذلك ؟!.
لقد أعطاهم درساً فى إيمانه بمحمد وثقته المطلقة به فيقسم بالله
- فو الله إنه ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من السماء(من الله) إلى الأرض فى ساعة من ليل أو نهار فأصدقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه !.
لم يكتف أبو بكر بكلامه وتأييده بكل وضوح وصراحة بل وترجم كل ذلك بأسلوب عملى تعجز الدراسات الحديثة بتفسيره بغير أنه الايمان الكامل واليقين التام !.
فأقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
- يا نبى الله أحدثت هؤلاء القوم أنك أتيت بيت المقدس هذه الليلة ؟!.
انظر أيها العقل البشرى لهذا الموقف ..
نبى لا يعترفون بنبوته يحدثهم عن شىء أقرب للخيال وها هو صاحبه يجيبهم قبل أن يأتيه بتصديقه لما يقول! ويذهب معهم على رؤوس الأشهاد ويبدأ كلامه معه يا نبى الله .
قالها ولم يعترض الناس على الصفة التى ناداه بها أبوبكر وكأنهم أقروا ذلك! نعم الصاحب أنت يا أبا بكر ونعم العوض عن رحيل السيدة خديجة رضى الله عنها وعمه أبوطالب!
اليقين فى صورة انسان يقف أمام الصدق النبوى ليجرى حواراً قصيراً يهز المشاعر ويمس القلوب الانسانية!.
قال النبى صلى الله عليه وسلم " نعم " فقال يا نبى الله صفه لى فإنى قد جئته .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فرفع لى – يقصد المسجد الأقصي - حتى نظرت إليه " وأخذ يصفه لأبى بكر الذى يقول صدقت أشهد أنك رسول الله ، كلما وصف له منه شيئاً حتى انتهى .
سمع الناس الوصف من النبى محمد وهم كثيراً ما يذهبون للشام فى رحلة الصيف التجارية السنوية وسمعوا تصديق أبى بكر له فلم يستطع أحدهم أن ينكر أى شىء! وأيقن الجميع أن الرحلة قد حدثت ولم يتغير فى الأمر سوى أنهم ذهبوا لأبى بكر فصدقهم وجاء معهم ليحول تكذيبهم واستهزائهم إلى تصديق وصمت رهيب! .
لو ناصر اليوم أى انسان أى زعيم أو ملك لأنعم عليه الملك بوسام ولمنحه الرئيس نيشان فما بالنا والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم النبى الخاتم صاحب الحدث العظيم وأبوبكر صاحب الموقف العظيم ؟! أى وسام يليق بأبى بكر رضى الله عنه؟! فمهما كانت قيمة الأوسمة فلن يحملها أبو بكر حيث ذهب! فليس عنده مكتبة لعرض النياشين !وكم سيتذكر الناس النيشان ؟! وماذا سيفعل به فى حياته ؟ وماذا سيكون مصيره بعد موته؟ وكم ستكون قيمته بعد ألف عام أو بعد ألفى عام ؟!.
قال الرسول الكريم لأبى بكر " أنت يا أبا بكر الصديق " هكذا قلّد النبى صلى الله عليه وسلم صاحبه هذا الوسام العظيم فاذا قيل الصدّيق فأنت تقصد أبا بكر وليس سواه! لتبقى رحلة الإسراء والمعراج فى النفوس رحلة الصدق والصديق .و إلي اللقاء في الحلقة( ١٨ )
الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977
طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
1430هـ - 2009

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق