الأربعاء، 5 مارس 2025

كتاب ( ومضات نورانية ) الحلقة السادسة


                         ( الحلقة السادسة )

*  بدء صداقة الصديق :
   كان الشباب فى قريش يفضلون حياة آبائهم من لهو وخمور ونساء ، ويفضلون همجية آبائهم بلا تعجب أو تساؤل! ولا يفكرون لحظة واحدة فيما يفعلونه !.
   عندما اقترب محمد من العشرين من عمره ألتقى بقرين يصغره بعامين ، تعرف عليه وألف كل منهما الآخر واقتربا وأصبحا صديقين، فقد تقاربت أخلاقهما وسلوكهما فأصبح هذا الصديق هو الرفيق المفضل لمحمد دون أقرانه من شباب مكة .
    فالله يرسم الأقدار ويخطها بترفق وتؤده لتسير الأمور سلسة فيشتهر عن محمد وأبى بكر صداقتهما وصدقهما وأمانتهما لتكون تلك مؤهلاتهما لدخول مرحلة الشباب والتجارة .
*  الشباب :
   بدأت قريش تنتبه لشبابها الصاعد ليكون لكل منهم دوره فى الحياة القرشية بمكة بمجالاتها العديدة من تجارة وحروب وقيادة اجتماعية وشعر وفروسية وغيرها! لفت نظر قريش أن محمداً أشهر شباب قريش صدقاً وأمانة! فلقبوه طواعية بالصادق الأمين !وهو اليتيم !فلا يقول متشكك لولا سطوة أبيه ما لقبوه! ولولا سطوة أخواله ما اهتموا به مثلما يحدث فى كل العصور وفى جميع المجتمعات ولكنها قريش تلقبه عن طيب خاطر!.
   يقف العقل البشرى كثيراً عند هذا الأمر متسائلا .. كيف تطلق قريش لقباً جديداً استدعته من ذاكرة اللغة العربية على شاب ليس بالغنى وليس بذى سطوة ؟! ومتى تطلق قريش هذا الأمر؟! تطلقه وهى فى قمة الهمجية والوثنية والعصبية القبلية ! فإذا قيل الصادق الأمين فى أى مكان من مكة يعرف السامع أن المقصود بذلك هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب .
*  مشاركته فى الحياة القرشية :
    خرج محمد فى القوافل التجارية عبر الصحراء مع عمه أبى طالب ، وكان يستمع إلى الخطباء حول مكة أثناء الأشهر الحرم حيث يعقدون أسواقهم بعكاظ أحد أشهر الأسواق العربية تاريخياً لتبادل التجارة والتفاخر والجدل واشتهرت فيها أشعار المعلقات ، ولم يتردد فى حمل السلاح والاشتراك فى الحروب إلى جانب أعمامه فى حرب الفجار! وقد سميت الفجار لأنها وقعت فى الأشهر الحرم والعرب يمتنعون عن الحرب فى تلك الأشهر!.
   اقتتلت هوازن وقريش أربعة أعوام متتالية فى موسم عكاظ حتى انتهت بعدها بصلح ! وقد اشترك فيها محمد مع أعمامه وروى عنه أنه قال عن هذه الحرب " قد حضرته مع عمومتى ورميت فيها بأسهم وما أحب أنى لم أكن فعلت ".
   لقد شعرت قريش بعد هذه الحرب بما كان يمثله لها هاشم بن عبد مناف ومن بعده ابنه  عبد المطلب من مكانة وقيادة حقيقية! أما وقد رحلا عن الدنيا الواحد تلو الآخر فقد تفرقت الكلمة ، وطمعت القبائل فيهم وتكاثرت عليهم بعدما كانت أمنع علي أي طامع! .
   إنها الحكمة الإلهية فى كل الأزمان والعصور! اذا تفرقت الأمة وتشرذمت وأراد كل قزم أن يكون ملكاً أو كبيراً بلا حساب للجماعة وأهميتها وبأى ثمن يدفعه وقتها لن يكون هناك أى عملاق بل سيكون الجميع أقزاماً !.
    لكن الزبير بن عبد المطلب استنكر أن تهون قريش على العرب حتى تهاجمهم هوازن فى عقر دارهم فدعا قومه فلبى منهم من لبى وتخلف من تخلف! اجتمعت له بنو هاشم وزهرة وتيم فى دار عبد الله بن جدعان لشرفه ومكانته  فصنع لهم طعاماً وتعاهدوا بالله المنتقم ليكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه! وقد حضر محمد هذا الحلف الذى سماه العرب حلف الفضول وكان يقول عنه " ما أحب أن لى بحلف حضرته فى دار ابن جدعان حمر النعم ولو دعيت به لأجبت ".
  محمد تاجرا :
   كان لقب الصادق الأمين الذى أطلقته عليه قريش بمثابة تأشيرة المرور الذهبية لعالم التجارة ، وكانت قريش تخرج فى كل عام  رحلتين ! أولهما للشام وهى فى الصيف وثانيتهما فى الشتاء لليمن ، ولأن حال عمه المادية ليست كحال عمه العباس فقد أراد أبوطالب أن يوجهه للتجارة علّه يصيب من المال الوفير ما يساعده على الحياة الكريمة وتعويض ما فاته من عمره .
   كانت خديجة بنت خويلد إمرأة ذات مال وتجارة وكانت تستعمل على تجارتها بعض ذوى ثقتها وكانت تزوجت مرتين وترملت وهى الآن فى الأربعين من عمرها ! رفضت كبار رجالات قريش عندما أرادوا الزواج منها ! وتفرغت لتجارتها وتدخل أبوطالب عندها ليخرج محمد ابن أخيه على تجارتها ! لم يكن أبوطالب بالشخص الذى يرد له طلب وإن كان قليل المال فهو صاحب مروءة وشرف وكرم وصاحب رأى .
   خرج محمد فى تجارة خديجة فى رحلة الصيف إلى الشام وهو يومئذ فى الخامسة والعشرين من عمره! ولم تكن رحلة محمد فى القوافل بالجديدة عليه فقد كان يخرج مع عمه وهو فى الثانية عشرة من عمره ،والشام تعتنق النصرانية ويتبعون الروم وكان يسمع ويفكر ووضع نجاحه فى التجارة نصب عينيه لعلّه يحقق أمل عمه فيه بأن يكون ذا مال وفير ليرد له بعضاً من الجميل .
   حقق محمد ربحاً وفيراً لم يحققه أى عامل على تجارة خديجة من قبل ، وكان الصدق حديثه و الأمانة معاملته !عاد محمد إلى مكة ومعه ميسرة - فتي خديجة- الذى افتتن بسلوكه وصدقه وأمانته فقص على سيدته ما رآه من السيد الهاشمى فوقع ذلك فى نفس خديجة وابتسمت من أعماقها لأن فتاها يمدحه بكل المعانى الجميلة والصفات النبيلة .
             إلي اللقاء في الحلقة السابعة

الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
 رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977
  
طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
1430هـ -2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق