الاثنين، 3 مارس 2025

كتاب ( ومضات نورانية ) الحلقة الرابعة


                                                            
                                                                  
   ( الحلقة الرابعة )

*  بشرى النـور :
   لكل شىء جميل فى الكون بشرى . فما بالك و القادم من الله لعباده نور؟!
   حملت آمنة بنت وهب نور زوجها عبد الله بن عبد المطلب وتركها ليخرج فى رحلة تجارية كما اعتاد قبل زواجه فوافتة المنية بعيداً عن زوجته الشابة !.
   حزنت الزوجة الشابة لوفاة زوجها الشاب فتحرك الجنين فى بطنها فاطمأن قلبها وسكن حزنها ! فها هى تحمل فى أحشائها عوضاً لها عن أبيه ولكن من أدراها أن يكون ولداً ؟!.
   استبد بها القلق ! هل ستلد ولدا أم بنتا؟ تتمنى أن يكون ولداً لترى فيه زوجها الشاب لينجب ذرية كثيرة ليخلد اسم أبيه! أما إذا كانت بنتا  فإنها النهاية لاسم زوجها عبد الله ! .
   كان عبد المطلب يشاركها هذا الإحساس ولو لم ينطق به ! لقد فقد ابنه عبد الله فى وقت لم يتوقعه أبداً لظروف فدائه وتذكر قصة اسماعيل مع أبيه ابراهيم عليهما السلام!.
   بدأت البشرى برؤيا تراها آمنة أنها ستلد ولداً وتسميه محمداً ، أخبرت عبد المطلب فكاد يطير فرحاً وتعجباً! إن هذا الاسم غير منتشر فى مكة أو الجزيرة! فرح عبدالمطلب فرحتين أولهما أن الحفيد القادم ذكراً وثانيهما أن اسمه يحمل معانى الحمد فشعر أن المولود القادم سيكون له شأن عظيم !لكنه لم يتخيل أن يتردد اسمه نفسه- عبدالمطلب-على مدارالزمان !
*   مولد النور :
   أيقنت الأم الأرملة والجد المكلوم على ابنه الشاب أن المولود ذكراً والعرب تفتخر بالذكور كما يشتهرون بوأد البنات!ولكن عبد المطلب لا يفعل ذلك!فله البنات كما له البنين ويفتخر بهم جميعاً وانتظرا وقت ولادته ليتحول اليقين الداخلى إلى واقع ملموس.
   حانت لحظة الولادة ليقع المشهد الخالد أمام الحاضرين .. فأولى العزم من الرسل لهم عند ولادتهم ذكريات تنبىء عن شىء عظيم لهم.
   موسى عليه السلام عندما ولد كان أسمر اللون عكس هارون أبيض البشرة ولكن الله أراده أسمر اللون ليلتقطه آل فرعون بعدما ألقت به أمه فى اليم خوفاً عليه من بطش هامان وجنوده بعد ما أمر فرعون مصر بقتل من يولد لبنى اسرائيل من الذكور! أمر حيّر الأم كثيراً أن يكون ابنها أسمر اللون! ثم تلقيه فى اليم حيث الموت ولكن ليحيا! لذلك لم يكن المولود عادياً بل أصبح نبى الله موسى عليه السلام !.
   و عيسى عليه السلام نطق بمجرد خروجه للدنيا بلا أب!كان حمل السيدة مريم به آية أعلنها الله فى القرآن ليعلن براءتها من كل افتراء!فاختصها وحدها دون نساء البشر بذكر اسمها صريحاً!فها هو ابنها الوليد يعلن أنه عبد الله ورسوله لمن هاجم أمه من أهلها وأراد أن يرميها بالصفات الرذيلة !.
   وها هو محمد بن عبد الله يخرج  للدنيا ساجداً ! وتذهب جارية أبو لهب تبشره بمولد ابن أخيه عبد الله فيفرح فرحاً شديداً من قلبه وإكراماً له يعتق تلك الجارية والجد يحضر مسرعاً ليلقى نظرة على حفيده الذى رأى فيه عوضاً عن أبيه  الراحل وابتسمت الأم وهى ترى فرحة آل عبد المطلب بابنها الوليد وتنهدت وهى تقول فى نفسها
-  إنه سيغنيها عن أبيه المتوفى فى ريعان شبابه .
  والعباس بن عبد المطلب أكثر الأبناء سروراً فقد أصبح له رفيقاً بعد ثلاث سنوات من الطفولة الوحيدة بل وينتظر زوجة أبيه أيضاً! ابنة عم آمنة زوجة أخيه ، فهى الأخرى حامل على وشك الوضع وتمنى لو يكون أخاً له ، وفرح أبوطالب بذلك فقد صار لعبد الله ابنا يحمل اسمه، فرح آل عبد المطلب فرحاً لا يوصف بمولد محمد بن عبد الله .
   كان أشراف مكة يفضلون إرسال أولادهم للرضاع فى البادية لدى المرضعات في البادية لجوها النقى والهواء الطلق واللغة العربية السليمة ، واشتهرت بعض القبائل بالمراضع وكانت قبيلة بنى سعد من تلك القبائل، فأتت المرضعات إلى مكة يتلمسن الأطفال الرضع وكل واحدة منهن تأمل فى الرضيع ابن الأغنياء ويبتعدن عن اليتامى لقلة عطاء أمهاتهن ولأن الآباء أكثر الناس فرحاً بالأبناء وأكثرهم عطاءً .
   ومن ثم عانى محمد بن عبد الله منذ مولده آثار اليتم ! طرقت باب الدار مرضعة من بنى سعد تسمى حليمة ترددت قبل أن تدق الباب ! ولأنها جاءت على إتان ضعيفة فقد سبقتها الأخريات إلى أبناء الأغنياء! فدخلت وهى تسأل عن الرضيع نظرت إلى أمه الأرملة وجدتها فى ريعان شبابها فقالت فى نفسها إن زوجها كان ولابد شاباً هو الآخر ولم يترك إرثاً كبيراً! نظرت إلى الرضيع وهي تتردد فى حمله ثم غلبها اليقين على حملته ونظرت فى وجهه فتعلقت به ولم لا ؟! فنحن نرى أطفالاً صغاراً كثيرين ولكننا نتعلق بأطفال دون سواهم هل سيكونون أنبياءاً؟! بالطبع لا! ولكن القلب الانسانى يهفو إلى أشخاص بعينهم رجالاً كانوا أم أطفالاً وبلا سبب وبدون مقدمات !.
  علمت حليمة أن الأم الأرملة الشابة ليست من مكة فازداد الموقف النفسى تعقيداً ولكن القدر لا يترك الأمور للهوى والآمال! فقد تأخرت فى مجيئها ولو تركت محمداً ستعود بلا رضيع! فرضيت بنصيبها وهى تطمئن نفسها بأن القبول الذى يتمتع به سيعوضها كثيراً !.
  خرجت به صامتة وهى ترى المرضعات الأخريات يحملن نصيبهن و يتفاخرن بأن آبائهن سيجزلن لهن العطاء !وسارت المرضعات حتى الركب فاستقلت كل واحدة إتانها أو حمارها وما أن ركبت حليمة إتانها الضعيفة وأعطتها الأذن حتى أسرعت وسبقت الأخريات! فتعجبت حليمة وأيضاً الأخريات !ولكن الإتان لم تتعجب فقد شعرت أن الرضيع الذى تحمله ليس طفلاً عادياً بل طفلاً نورانياً فقويت بنوره فسبقت الركب كله! تحول الحزن إلى سرور حتى وصلت منازل بنى سعد فقصت على أولادها ما كان ففرحوا وشعروا أن الخير سيأتى مع هذا الرضيع! وصدق الله شعورهم فامتلأت الماعز باللبن وأخضرت الأشجار وجرى الخير فى البيت ،وفرحت الشيماء بأخيها الجديد من الرضاع وداعبته ولاعبته وهو يخطو أولى خطواته على هذه الأرض حتى اشتدت فى مداعبته فعضها فى ظهرها ،وأثرت العضة فى ظهرها فاحتفظت بالذكرى فى نفسها حتى يأذن الله لها أن تستشهد بها لتنقذ أهلها بعد هزيمتهم  يوم حنين! إنها الطفولة تحفر أحداثها فى الذاكرة .
            ( إلي اللقاء في الحلقة الخامسة )

الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
 رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977

                   طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
1430هـ -2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق