يختلف مفهوم الحرية باختلاف المجتمعات والأعمار
والثقافة والدين والجنس وأشياء أخري ! فلا يوجد تعريف محدد أو مطلق للحرية لدي
الجميع ! بل توجد مباديء أو أسس تبني عليها الناس تعريفها للحرية أو نظرتها إليها !.
فالحرية عند الغرب ليست كما في الشرق ! والحرية
عند الرجل ليست مثلها عند المرأة ! والحرية عند الصغير القاصر ليست كما هي للرجل
البالغ أو المرأة العاقلة! كما أن الحرية عند الإنسان الواعي الفاهم ليست مثل
مفهومها عند الإنسان الأمي الجاهل! كما يختلف مفهومها باختلاف الدين والعقيدة !.
لا يدرك
قيمة الحرية الحقيقية إلا الإنسان الواعي العاقل المدرك لطبيعته البشرية وحاجته الإنسانية
والذي يعلم أن الله قد خلق الناس أحراراً ولم يخلقهم عبيداً !.
لكن ما قيمة الحرية للعبيد ؟ !.
يعيش
العبد في كنف سيده ، يأكل ويشرب و يعمل وينام ويفعل كل شيء يأمره به سيده ! ولا
يفكر العبد في الهروب من سيده كثيراً ! لأنه دائما ما يردد بينه وبين نفسه أن ( ما
يعرفه أحسن مما لا يعرفه ) ! فما دام الهروب لن يغير من عبوديته فهو يستكين ويتمني
رضاء سيده دائما! فكل أوامر سيده مطاعة بدءً من الخدمة الدونية حتي مسح الحذاء أو
تقبيله إذا أراد سيده ! يفعل العبد ذلك وهو في منتهي السعادة! وكيف لا وسيده يطعمه
ويسقيه ؟! .
ينحني العبد علي يد سيده ليقبلها بكل فرح
وسرور وهو يقدم له كل فروض الولاء والطاعة حتي لا يغضب عليه ! لأن غضب سيده يعني
ببساطة طرده من خدمته ! وقتها سيظل يبحث العبد عن سيد جديد ولا يعرف وقتها هل
سيكون أفضل من سابقه أم أسوأ؟! يستمتع العبد بسباب سيده له ويطير من الفرح لو
ابتسم له مرة وكشف عن أسنانه البيضاء! وينتابه القلق إذا توقف سيده عن سبابه أو
توبيخه أو ضربه ! .
كل حلم العبد أن يتفضل عليه سيده بالطعام
والشراب والمكان الذي ينام فيه ولو خلف إسطبل
الخيل !.
هذا هو منتهي طموحات العبد ! رضاء سيده
والأكل والشرب والمأوي الآمن !.
أما السيد فله كل شيء وله الحق أن يفعل بعبده
ما يشاء ، وله الشكر إذا تفضل عليه وضربه بالحذاء أو لطمه لطمة أطاحت بأحد ضروسه
خارج فمه! فالعبد يجلس تحت قدمي سيده وهو في غاية السعادة ، وقد يدلكهما له إذا
سار في حديقة بيته بعض الخطوات ! أما هو كعبد فله الشرف كل الشرف أن يسير خلف سيده بأمتار
قليلة !.
قمة حرية العبد تتمثل في طعامه – أي طعام –
المهم أن يملأ بطنه حتي لو من فتات مائدة سيده ! وشرابه الذي لا يتعدي كوب من
الماء من صنبور المياه الخاص بزريبة المواشي ! فالمهم عنده أن يروي ظمأه! أما
المبيت فهو يرضي بأقل مكان خلف زريبة المواشي ! وعندما يضع جنبه علي الأرض يحمد
الله أنه أكل فشبع وشرب فارتوي ووجد مكاناً آمناً ينام فيه! ويتغير مفهوم الأمان
للعبد عن السيد ! فالأمان عند العبد أن يأمن علي نفسه من القتل أو الاغتصاب ! رغم
أن الموت سيريحه من ذل العبودية ! ولكنه يفضل الحياة ذليلاً علي الموت كريماً !
أما الأمان للسيد أن يسير في طول البلاد وعرضها ويفعل ما يريد وقتما يريد كيفما
يريد !.
هذه هي حرية العبيد التي يعيشون علي أمل
تحقيقها دائما ولا يفكرون في غيرها خوفاً أن تضيع تلك الحرية الغالية!.
أما حقوق الحيوان الذي يقوم العبد برعايته
فهي تتجاوز بكثير حريته التي يحمد الله عليها كل ليلة لحظة خلوده للنوم!.
ففي الصباح عليه أن يدخل علي المواشي ليطمئن
عليها ! وأن ينظف ما خلفته من روث ، وبعد تنظيفه المكان وتهويته يقوم بجلب الأعلاف
لها ويملأ لها حوض الماء لترتوي ، وإذا رأي أي آثار للروث علي جسد إحداها عليه
تنظيفها بسرعة ثم مسح جسمها بالماء ! وإذا لمح آثار المرض علي إحداها أسرع ليحضر
لها الطبيب البيطري ! ولا ينام العبد قبل أن يطمئن علي المواشي كلها ويغلق عليها
الباب ويترك لها بعض النوافذ للتهوية!.
كلما قارن العبد نفسه بالمواشي – وقليلاً ما
يحدث ! – يكتشف أن المواشي تتمتع بعناية أكبر مما يتمتع بها ! ولكنه يؤنب نفسه أن
سيده كلما أراد أن يذبح إحداها يفعل بلا أدني تفكير فيحمد الله أنه ليس من المواشي
! .
ولم يفكر مرة : لو أن سيده علم أنه سيستفيد
بذبحه ما تردد عن ذلك لحظة واحدة!.
لا يشغل العبد باله بالتفكير في أي شيء
فيكفيه أن سيده يطعمه ويسقيه ويؤويه !
هكذا هي حرية العبيد
وحقوق الحيوان !.
أما الحرية عند الأحرار تعني أن كل الناس
متساوية مثل أسنان المشط ! فالكل له حق الحياة وحق الاختيار وحق التعبير وحق النقد
! فإذا فقد حقاً من تلك الحقوق يناضل من أجل استرداد هذا الحق مهما كلفه ذلك حتي
لو كان عمره هو الثمن!.
فالإنسان الحر لا يعرف شيئاً اسمه التمييز
بين البشر علي أي أساس ! لأنه يؤمن أن الله عندما خلق البشر خلقهم جميعاً من أب
واحد وهو آدم وأم واحدة هي حواء! فمن أين يأتي التمييز ؟!.
الإنسان
الحر يقبل بالجوع ولا يقبل بالذل ! يقبل بالموت ولا يقبل بتكميم فمه مثل البهائم!
الإنسان الحر لا ينحني لبشر مهما علا قدره لأن الخالق واحد ! فلم يخلق هذا من طين
والآخر من النور ! بل خلق كل البشر من ماء وتراب !.
يضحي
الإنسان الحر بحياته في سبيل المبدأ وحقه في التعبير، ولا يقبل بغير ذلك
بديلاً مهما كان الثمن! يستمتع الإنسان
الحر بالموت حراً أفضل من متعته بالعبودية حياً!
هذا هو الفرق بين الحرية و العبودية ! حق التعبير والاختيار والقرار !.
فلو عاش الإنسان مائة عام يأكل ويشرب دون أن
يستطيع أن يعبر عن رأيه بحرية أو يختار بإرادته فهو يختار حياة الحيوان ويكفر
بالعقل الذي ميزه الله به عن سائر المخلوقات وسيعيش عبداً ويموت عبداً وكأنه أقل
من أقل خروف أو نعجة يمكن الاستفادة من لحومها ولبنها!.
ويل لبشر يفضلون العبودية علي الحرية مقابل
الطعام والشراب والمأوي كما تعيش البهائم! ويل لشعب يفضل العبودية وأن يسير في
ركاب شخص أو فئة أو طائفة كالأنعام وأن يصفق لمن يطأ رقبته بحذائه!.
هل تفهم الشعوب أن الحرية هي الفرق الأساسي بين الإنسان والحيوان ؟ أم أن بعض الشعوب تبحث
عن لقمة وكوب ماء ومكان تنام فيه؟! حتي لو كانت تلك اللقمة من فتات الحاكم أو
مخلفاته! وكوب الماء من بحيرة راكدة أو من بوله ! ومكان لا يصلح للحيوان أن ينام
فيه؟!.
إن الحرية حلم الإنسان الأول حتي لو ارتكب
معصية!.
فعندما غوي إبليس آدم أخبره أن الله منعه من
هذه الشجرة حتي لا يكون خالداً ولا يكون ملكاً! لم يتردد آدم في ارتكاب المعصية
لأنه ظن أنها ستحقق له الخلود والملك والحرية الأكبر ! .
هذا هو الفرق بين الإنسان الحر والإنسان
العبد ! حرية القرار والتعبير عنه !.
فقد
اتخذ آدم قراره بكامل حريته ولم يلتفت إلي المعصية ! لأنه فكر في الحرية الأكبر
بعقله البشري الذي خلقه الله به ولم يفكر في آثار المعصية إلا بعد أن ارتكبها ! فتاب
إلي الله الذي تاب عليه لأنه يعلم أنه فكر في حرية أكبر وأنه استخدم عقله وإرادته
بعيداً عن أي قيود!.
هبط آدم
إلي الأرض التي خلقها الله من أجله وخلقه من أجلها ! فلم يخلق الله الأرض للملائكة
ولم يخلقه هو – أي آدم - للجنة !.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق